حبدر المكاشفي : الصوارمي لم يكن صارما

كانت صحف الخرطوم قد نشرت قبل يومين وتحديدا في الحادي عشر من أكتوبر الجاري ،خبرا مزعجا مفاده أن مسلحين ينتمون إلى إحدى القبائل بمدينة الضعين حاضرة ولاية شرق دارفور، قد أغاروا على قطار نيالا المتجه الى الخرطوم واحتجزوه لمدة احدى عشر ساعة ،عكفوا خلالها على تفتيشه بحثا عن أسلحة مزعومة كانت قد طارت بها شائعة مغرضة، زعمت أن هذه الأسلحة في طريقها الى قبيلة أخرى بينها وبين قبيلتهم عداء واعتداءات ،ليتضح لاحقا أن الأسلحة المزعومة لم تكن سوى شحنة أعلاف ليتم بعدها اطلاق سراح القطار والسماح له بالتحرك…مواقع التواصل الاجتماعي السودانية كدأبها وعادتها التقطت هذا الحادث المؤسف، ولكنها لم تكتف بما ورد عنه في صحف الخرطوم وانما توسعت فيه وتناقلت عنه صورة للعميد الركن عصام مصطفى قائد الفرقة (20) بمدينة الضعين تظهر عليه آثار ضرب مبرح في الرأس والظهر كما بدت ملابسه ملطخة بالدماء، وتبارى ناشطو هذه المواقع في تحميل ما جرى للعميد من ضرب مبرح لجهة حددوها بالاسم، معتبرين ما حدث معه اساءة غير مقبولة لهيبة القوات المسلحة وغياب لهيبة وسلطة الدولة، وما تجدر الاشارة اليه هنا أن هذه المنطقة ظلت تشهد نزاعا دمويا شرسا بين تينك القبيلتين خلف أكثر من ألف قتيل وعدة الاف من الجرحى،ولا يعلم الا الله متى توأد هذه الفتنة القبلية المنتنة وتجف مخاضات الدم،في ظل غياب حسم وصرامة السلطة وضياع هيبتها في تلك الانحاء،لتجئ حادثة احتجاز القطار وتفتيشه والاعتداء على العميد عصام دليلا اخرا على انفراط عقد السلطة هناك…

عطفا على هذه الحادثة المؤسفة وما تناقلته عنها المواقع، كان المنتظر من الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الصوارمي،أن يخرج على الملأ ببيان قوي النبرات صارم القسمات يتطاير الشرر من بين سطوره وحروفه، يدين بأقسى وأغلظ العبارات احتجاز القطار والاعتداء على أحد الضباط العظام،وأن يؤكد بثقة واعتداد عدم سماح القوات المسلحة لكائن من كان أن يأخذ القانون بيده ويقيم لنفسه دويلة داخل الدولة،وأن يتعهد كذلك بالتحقيق فيما حدث ومحاسبة الضالعين فيه حتى يكونوا عبرة وعظة لكل من تسول له نفسه أو تحدثه أوهامه بأنه صاحب سلطة خاصة يستخدمها وفقا لتقديراته وكيفما وأين شاء،ولكن لم يكن الصوارمي صارما كاسمه ولم يخرج على الملأ بما كان متوقع ومنتظر ويناسب شناعة وبشاعة ماجرى،بل أشعرنا بأننا أكثر أسفا منه على ما وقع للقطار وأكثر ألما وحزنا منه لما جرى لزميله ورفيق سلاحه العميد عصام،فقد خرج الصوارمي على الناس ببيان أمس أقل ما يوصف به أنه كان رفيقا ورحيما بأولئك الخارجين على القانون،وبدا كأنه يقلل من هول ما حدث بحرصه كما جاء في الصحف على نفي أن زميله الضابط قد تعرض للتعذيب والاعتقال،ما يحمل على التأويل بأنه يحمد الله على سماحة المعتدين لأنهم ضربوا زميله فقط ولم يعتقلوه ولم يعذبوه (راجع تلخيص بيان الصوارمي المنشور أمس)..لقد كان المتسامح حقيقة هو الصوارمي عبر بيانه الذي لم يكن صارما تلك الصرامة التي تحتاجها هيبة السلطة ازاء ما حدث…

بشفافية – صحيفة التغيير
حيدر المكاشفي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *