السفير نصر الدين والي: فرنسا تدعم الحوار الوطني وحثت الجبهة الثورية على المشاركة فيه

شهدت علاقات السودان بالدول الغربية في العقدين الأخيرين حالة شد وجذب جراء العقوبات الأمريكية والحظر الاقتصادي أحادي الجانب الأمر الذي دفع الدبلوماسية السودانية للسير في متعرجات صعبة لتعزيز التعاون مع الدول المؤثرة في السياسة الدولية، ومنها فرنسا.. السفير نصر الدين والي سفير السودان في فرنسا والذي عمل بسفارات السودان، في الرباط والرياض، انجمينا والبعثة الدائمة بنيويورك وكيجالي برواندا وعمل مندوبا دائما لدى اليونسكو وسفيرا غير مقيم لدى كل من البرتغال والفاتيكان وإمارة موناكو يتطرق في حوار مع (سونا) إلى جملة من القضايا التي تشكل الموقف الفرنسي تجاه السودان ودوره في المنطقة.. فإلى مضابط الحوار.

* شهدت علاقات السودان بالدول الغربية ضغوطا متعددة قادتها الولايات المتحدة.. كيف تنظرون إلى علاقة فرنسا بالسودان على ضوء هذه الضغوط الغربية؟

– العلاقات السودانية الفرنسية تتسم بالاستقرار وهي علاقات جيدة ونتطلع ونعمل على تطويرها والارتقاء بها، ويمكن القول إن بعض القضايا التي تنتظم علاقات السودان الإقليمية كعلاقة السودان بدولة جنوب السودان لا تمثل أولوية للسياسة الخارجية الفرنسية، بينما تنظر باريس إلى الخطوات الإيجابية والواسعة التي اتخذتها الحكومة السودانية في شأن تعزيز العلاقات الاستراتيجية التي تربط السودان وجمهورية تشاد وتنظر إليها باهتمام كبير، بل إن باريس ترى في تطور علاقات السودان مع دول الجوار ومحيطه الإقليمي شرقا باتجاه الغرب، على امتداد الساحل تعده أمرا إيجابيا ومحمودا، فالتطور وتأمين الحدود التي تربط السودان بجواره كتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى يسهم بصورة كبيرة في محاربة الإرهاب ومنع اتساع رقعة التطرف وتهريب الأسلحة وعمليات تهريب البشر والاتجار بالمخدرات وهي بالكاد تكون ذات القضايا التي تؤرق دول المنطقة وعلى رأسها السودان، وتشاطرها فرنسا الاهتمام والقلق، فالتجربة الناجحة المتمثلة في إحكام آليات الرقابة على الحدود المشتركة مع جمهورية تشاد، تشجع على الدعوة لتعزيز آلية المراقبة الثلاثية بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى بمشاركة فرنسية تتمثل في توفير آليات الرقابة والأجهزة الفنية لها كوسيلة ناجعة للحد من العنف في أفريقيا الوسطى والإفرازات المتمثلة في الانفلات الأمني والإقليمي ومن ثم اجتثاث الوسائل المؤدية للعنف القبلي والديني داخل هذا البلد, هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن فرنسا إحدى الدول الأوروبية التي تهتم بصيانة التراث والحضارة السودانية فالبعثات الأثرية الفرنسية ظلت تضطلع بدورها في ترميم الآثار والحفاظ عليها ضمن أربعين بعثة أثرية أخرى، كما أنها تلعب دورا مهما في التعريف بالحضارة والثقافة المروية السودانية القديمة، ومن هنا اسمحوا لي بتقديم تحية خاصة لجمعية الصداقة الفرنسية السودانية للدور الإيجابي والكبير الذي تقوم به في تعريف المجتمع الفرنسي بالحضارة والثقافة والتعايش والتنوع الذي يزخر به السودان، وقد ظلت تضطلع بهذا الدور بروح بناءة وعزم أكيد منذ عهد بعيد. وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى مشاركة السودان في قمة الإليزيه التي تبنت في حضور أفريقي نوعي جملة من المواقف السياسية التي تعزز الأمن والاستقرار الإقليمي، كما أشرنا إليه سابقا عبر لجنة تسمى لجنة التشاور السياسي بين السودان وفرنسا وهي إحدى آليات العلاقات الثنائية بين الدولتين والتي قامت مؤخرا لدراسة القضايا ذات الاهتمام المشترك لتطوير العلاقات الثنائية والنظر في التعاون الإقليمي، ومن جهة ثانية فإن فرنسا ترحب بكافة الجهود والخطوات الإيجابية التي تتخذها الحكومة السودانية لرأب صدع الأوضاع السياسية الداخلية وإفرازاتها المتمثلة في بؤر العنف والصراعات القبلية في دارفور وآثارها المدمرة وترى فرنسا في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس عمر البشير الوسيلة الوحيدة لتجاوز قضايا البلاد المتشابكة والمتمثلة في الضمور التنموي الذي ما يزال يرزح فيه إقليم دارفور بصورة أكبر من الأقاليم السودانية الأخرى، هذا بجانب العنف القبلي والمشاركة في الحكم والإصلاحات السياسية والتنمية المتوازنة .

* إذاً.. بماذا تفسر وجود قيادات الجبهة الثورية بباريس؟، ألا يمثل هذا تناقضا من الجانب الفرنسي؟

– وجود بعض قيادات الجبهة الثورية في فرنسا جاء متزامنا مع دعوتها لحضور جلسة البرلمان الأوروبي حول حقوق الإنسان ولم تأت الزيارة بترتيب أو رعاية من الحكومة الفرنسية ولم يتم أي لقاء لقادة الجبهة الثورية بأي مسؤول أو جهة رسمية فرنسية بالرغم من المحاولات التي تجريها بعض قيادات الجبهة لترتيب اجتماع رسمي، فقد ظل موقف فرنسا المعلن هو دعم الحوار الوطني وحث قيادات الجبهة الثورية على الالتحاق بالحوار كوسيلة وحيدة لإحداث تغيير في السودان وليس المعارضة المسلحة، وفي الوقت الراهن لم تتوفر لدينا أي معلومات تشير إلى رغبة فرنسا احتضان بعض رموز المعارضة المسلحة كما أن قرائن الأحوال تدحض هذا الافتراض. وفي تقديرنا فإن فرنسا بدبلوماسيتها الراسخة ومعرفتها العميقة بالإقليم وقدرتها في التحليل والاستقراء تمكنت من إدراك فرص حقيقية تكمن في انتهاج حوار شفاف لجميع الأطياف السياسية في السودان من شأنه العبور إلى إشاعة الأمن والاستقرار ودفع جهود التنمية التي ظل السودان والإقليم في أمس الحاجة لها، وأن السودان يعيش ظروفا سياسية أفضل ويستشرف مرحلة مهمة لن تأتي إلا بوحدة الصف الوطني وبدعمين إقليمي ودولي وإننا نتطلع إلى أن تكون فرنسا جزءا من هذا الحراك .

* مشكلة دارفور دوّلتها وسائل الإعلام الغربية، والإعلام الفرنسي يعد جزءا.. منه كيف تنظر إلى دور الإعلام الفرنسي تجاه قضايا السودان وهل ما ينقله يمثل وجهة النظر الرسمية للحكومة الفرنسية؟

– الإعلام الفرنسي والغربي بشكل عام يعتبر الآن في مرحلة انتقالية، أو ما تسمى بمرحلة عودة الوعي بعد الانتقال من مرحلة النقل الأعمى وصناعة الخبر لإحكام وترسيخ الصورة السالبة عن كل ما يجري في السودان لخدمة أغراض سياسية محددة إلى الانتقال رويدا رويدا إلى منحى يرمي إلى إبراز الحقائق وعدم إغفالها قصدا، كما أرجو أن ينتقل في مرحلة لاحقة إلى الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعكر صفو العلاقات الثنائية بين السودان وفرنسا خلال أطراف أخرى لها أهداف ومرام سياسية معروفة سلفا، فالسودان بلد غني بالتاريخ والحضارة والثقافة والتنوع الذي تفتقر إليه العديد من دول العالم، والسودانيون كانوا روادا وحداة للفن والثقافة والعلوم والمعرفة، نحن على ثقة تامة بأن الدبلوماسية السودانية قادرة على الاضطلاع بدور فاعل في سعيها الجاد لإعادة تسليط الضوء على هذه الجوانب المهمة في مسيرتنا عبر التاريخ بجانب مهامها الأساسية في تعزيز علاقات البلاد على مستوياتها المختلفة.

* النقطة الأخيرة التي ذكرتها تقودنا إلى سؤال مهم: بماذا تفسر الحراك الدبلوماسي الكثيف للخارجية السودانية هذه الأيام والذي قاد إلى خطوات إعادة الثقة في رسالة الدبلوماسية السودانية؟

– يقيني أن السودان في حاجة ملحة للانتقال من الحالة التي أفرزتها أزمة دارفور والتي اتسمت بالانكفاء الذاتي، إلى مرحلة سمتها التفاعل على المستوى الدولي وعدم الركون لتلك الحالة العرضية، وروح المبادرة التي تعيشها الدبلوماسية السودانية نتاج للحراك السياسي الإيجابي والقدرة النوعية التي تتسم بها الدبلوماسية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا السياسي وقد بدأت تحقق نتائج إيجابية، من جهة ثانية فإن الفشل والأزمة التي تفجرت بكل أسف في دولة الجنوب بين الفعاليات السياسية التي اتحدت لحقب طويلة في تأجيج الصراع والنجاح في استعداء المجتمع الغربي وحشد طاقاته لتصنيف السودان وشعبه كإحدى الدول التي تنتهج العنف وتؤجج الصراعين القبلي والديني في جنوب السودان، كل ذلك وبإفرازه لهذه الأزمة والصراع الدموي الذي استشرى في فترة وجيزة حتى أصبح صراعا طاغيا على مجمل الساحة السياسية في جنوب السودان وسقط جراءه آلاف القتلى وأطل من ورائه شبح العنف القبلي والذي استعصى علاجه على أكبر القوى الدولية التي صفقت طويلا لانفصال جنوب السودان عن شماله، وفي فترة وجيزة من عمر الدولة الوليدة تحولت إلى دولة تفرض عليها العقوبات الدولية والتي في تقديري ستقعد بنهضتها ورفاهية شعبها، وأيا كان فإننا بلا شك نتطلع بصدق لأن يتجاوز الإخوة بدولة جنوب السودان هذه المحنة بمسؤولية وإرادة سياسية متجردة لمنع الجنوب من الانزلاق أكثر في حرب قبلية طاحنة تعيق طموحات إخوتنا في الجنوب في التنمية والاستقرار والأمن، وفي تقديرنا وانطلاقا من موقف السودان الثابت من أهمية إعمال الحلول السلمية لإشاعة الأمن والاستقرار في الدولة الشقيقة الجارة يتطلع السودان لإقامة شراكة استراتيجية لجعل الحدود منطقة تكامل تجاري واقتصادي ونموذجا يحتذى به في حسن الجوار والتفاعل الثنائي، ويؤكد السودان منهجه الراسخ في سياسة متوازنة ودبلوماسية متزنة تفضي إلى الاستقرار والتعايش السلمي والتداخل المرن على امتداد الحدود وذلك تأسيسا على موقفه الحالي من الأزمة في الجنوب .

* هذا على مستوي العمل الدبلوماسي عامة.. السيد السفير هلا أطلعتنا على ما تقومون به في ذات الصدد من جهود دبلوماسية لتطوير العلاقة بين السودان وفرنسا؟

– تعمل البعثة على ترتيب ملتقى اقتصادي وتجاري يرمي إلى تسليط الضوء على الفرص الحقيقية المتاحة للاستثمار في البلاد وذلك بالتعاون مع اتحاد أصحاب العمل بفرنسا والشركات الفرنسية التي تقيم شراكات تجارية مع بعض الشركات السودانية الخاصة وتلك الراغبة في الاستثمار في السودان، كما تعمل البعثة أيضا لإقامة ملتقى ثقافي بالتعاون مع معهد العالم العربي بغية إبراز الأوجه المتعددة للتنوع الثقافي وسنعمل على إبراز دور الشعر والموسيقي كروافد للفكر والثقافة والشخصية السودانية، ونتطلع لتكريم بعض رموز الفكر والغناء في السودان، كما سنقيم عرضا مسرحيا لمسرحية (النظام يريد) على خشبة مسرح المعهد، وننتهز هذه الفرصة لتقديم الشكر والتقدير لدولة قطر لدعمها السخي بتخصيص منحة مقدرة لمشروع متكامل بالتعاون مع الهيئة السودانية للآثار واليونسكو والجهات الأخرى ذات الصلة لترميم وصيانة الآثار في السودان وبناء متحف بالبركل، ونشير إلى أن السودان مصنف كأحد أهم الدول العشر الغنية بالآثار في العالم ويجيء ترتيبه في المرتبة السابعة ولا غرو فإن بالسودان أكثر من 320 من الأهرامات الأثرية وتعتبر حضارته إحدى أهم الحضارات الضاربة في العالم، وبهذا المشروع العملاق سيتحول السودان إلى وجهة سياحية من شأنها جذب أعداد مقدرة من السواح والباحثين في مجال الحضارات القديمة .

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *