ألم أقل أن أمريكا لا تريد اسقاط النظام ؟

«دنيا دبنقا دردقي بشيش» والدبنقا إناء كبير من الفخار

«أم جركم ما بتاكل خريفين» أم جركم نوع من الجراد الذي يظهر كل خريف.

«ألمي حار ما لعب قعوي» ألمي يعني ماء وقعوي الضفادع.

المثل الأول يدعو في مضمونه الى التسامح والمرونة في المواقف حتى لا تنكسر الدبنقا، وإن طال الزمن وازداد التحسب والاستقواء بكل الوسائل خاصة في الحكم لأن الملك (الحكم) حقيقة انسانية يملكها الله سبحانه وتعالى، وحده يؤتيها وينزعها ممن يشاء ولدقة وبلاغة وبيان القرآن الكريم نلحظ الفرق الكبير بين يؤتي وينزع إذ أن المرادف العادي لكلمة يؤتي يأخذ، لكن الدقة في كلمة تنزع لتأكيد حالة وحقيقة التشبث بالملك بكافة الوسائل والطرق ولكن في النهاية تغلب إرادة الله جل وعلا وقدرته في أخذ الملك بالنزع وحتى الروح لا تخرج من الجسد إلا بعد نزع لذلك يقال أن فلاناً في النزع الأخير المفضي الى الموت المحتوم.

المثل الثاني يعظم فضيلة تواصل الأجيال والتداول السلمي للسلطة.

المثل الثالث ينادي بالجدية عندما يتطلب الموقف ذلك وعدم الاستهانة بما يدور حول الانسان من أحداث.

كانت تلك مقدمة لتحليل واقعنا اليوم ومدى تطابقه مع الأمثال الثلاثة وقبل التحليل أورد الطرفة المعبرة التالية:

احتكم سودانيان الى قاضي إحدى المحاكم- الشاكي قال: إن المتهم شتمه بكلمة عنصرية بغيضة، القاضي سأل المتهم هل أنت فعلاً قلت ليهو كدا ورأيك شنو؟ المتهم قال للقاضي: يا مولانا أنا رأيي خلو انت رأيك شنو؟.

علاقة هذه الطرفة بموضوعنا هو أننا نستميت في الدفاع عن أمر غير حادث على أرض الواقع ونؤكد هدوء الأحوال في كل ربوع السودان، وأن الحريات متاحة والاقتصاد معافى والحوار الوطني مستمر ومتواصل الى نجاح، والانتخابات في موعدها قائمة، هذا رأينا ولكن ما رأي العالم والذي يرصد كل صغيرة وكبيرة عننا ويملك معلومات أكثر منا خاصة في بعدها الخارجي في محيطنا الاقليمي العربي والأفريقي.. رأي العالم الخارجي المؤثر جاء قاطعاً في تصريح المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان دونالد بوث قال في تصريح نشر في صحيفة الأيام العدد 10944 الصفحة الأولى بتاريخ 14/10/2014: «بالرغم من خيبة أمل في الماضي أعتقد ان هناك فرصة لخلق علاقات جيدة ونعمل لهذه الغاية» واستطرد قائلاً: «لا نقبل بالسودان كمستنقع للنزاعات الداخلية وفاقد للعلاقات مع جيرانه بسبب عدم الثقة وذكر المبعوث الأمريكي ان بلاده تريد علاقات مع السودان لتحقيق المصالح المشتركة وقال: «مصالحنا مع الديمقراطية والأزدهار في السودان في حال تحقيق السلام الداخلي وتطبيع العلاقات مع جيرانه، وأعرب عن استعداد إدارة بلاده لبدء حوار صريح مع الخرطوم، وكشف عن زيارة للخرطوم لم يحدد وقتها لمناقشة القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية التي وصفها بأنها تعاني من عدم ثقة عميق، كل هذا الحديث كان في خطاب عن سياسة بلاده للسودان وجنوب السودان نهاية الأسبوع الماضي هذا هو رأي امريكا وبالتالي العالم- في السودان الآن يجب أن نلتقط الجزء الايجابي في هذه التصريحات، والايجابي هو جوهر الحديث لا مظهره- مظهره التدخل الأمريكي في الشأن الداخلي السوداني وهو ما ركزت عليه تصريحات بعض المسؤولين والاعلاميين، أمريكا تدار بمؤسسات راسخة ومتمكنة بقدرات علماء في كافة المجالات، يحملون الجنسية الأمريكية لكن منحدرون من أمم تاريخية عظمى من كل أنحاء العالم في أوربا- آسيا وافريقيا عليه يجب التركيز على الجوهر وعدم الاستهانة به أو التقليل منه واختزاله في مظهره بالتدخل في الشؤون السودانية، وعلينا التعامل معه بمنطق الحكمتين السودانيتين- «دنيا دبنقا دردقي بشيش» و»المي حار ما لعب قعوي»- السودان الآن (دبنقا) هشة جداً والتصريح الأمريكي ماء حار جداً لا يمكن اللعب فيه للأسباب التالية:

أولاً: أمريكا شئنا أم أبينا تدير العالم وتتدخل في كل بقعة فيه اعتماداً على ميثاق الأمم المتحدة الذي ارتضته مائة أربعة وتسعون دولة والسودان منها، خاصة في فصله السابع الذي يسمح بالتدخل العسكري الحاسم في حالة تهديد الأمن والسلم العالمي.. ميثاق الأمم المتحدة تم التوقيع عليه في 26/6/1945 وأصبح نافذاً في 24/10/1945 الفصل السابع من المادة (39) حتى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة يتحدث عن تهديد السلم العالمي ولم يحدد الميثاق في فصله السابع معياراً أو مقياساً لتهديد السلم العالمي فقط تدرج في مواد الفصل السابع من مرحلة بداية أي أزمة وطريقة التعامل معها بالنصح- التفاوض- التوجيه- الانذار ثم التدخل العسكري في المادة (42). بالرغم من أن تنفيذ هذه المواد يقع على عاتق مجلس الأمن الدولي إلا أن أمريكا بحكم قيادتها لمجلس الأمن وتأثيرها على أعضائه، خاصة الدائمين تستطيع أن تستصدر من مجلس الأمن ما تريده- ألم تتدخل أمريكا عسكرياً تحت هذه المظلة وأزالت حكم طالبان في أفغانستان وحكم البعث في العراق؟ ألم تنجح أمريكا في استصدار قرارات من مجلس الأمن بشأن السودان حتى أوصلته الى الفصل السابع في قراره 2046 بشبه اجماع بعد أن حيدت روسيا والصين واقناعهما بعدم استعمال الفيتو بشأن السودان؟ نحن الآن تحت طائلة تصنيف تهديد السلم العالمي وامريكا لا تتحرك دون غطاء دولي قانوني.

ثالثاً: جوهر تصريح المبعوث الأمريكي هو «لا نقبل بالسودان كمستنقع للنزاعات الداخلية وفاقد للعلاقات مع جيرانه بسبب عدم الثقة- امريكا تريد علاقات مع السودان لتحقيق المصالح المشتركة- مصالحنا مع الديمقراطية والازدهار في السودان في حال تحقيق السلام الداخلي وتطبيع العلاقات مع جيرانه، ألم أقل إن أمريكا لا تريد اسقاط النظام وتركه في فوضى ودمار مثل سوريا وليبيا والعراق، أمريكا تريد السودان متماسكاً وهو في موقعه الاستراتيجي الذي يجعل أمريكا تحكم قبضتها على افريقيا والعالم العربي وامريكا تتخذ من سياسة جرجرة الأرجل وعدم الحسم العسكري في سوريا والعراق وليبيا حتى تكتمل عملية الفوضى الخلاقة المؤدية الى إعادة خريطة المنطقة، وتستعمل نفس السياسة مع السودان بصورة ايجابية للوصول الى تغيير النظام في السودان وليس اسقاطه، والفرق واضح بين التغيير والاسقاط- أمريكا لا تريد تكرار خطئها في الوقوف مع فصل جنوب السودان، والذي تعاني منه وسوف تزداد المعاناة في كل المنطقة حول دولة جنوب السودان لأنه ماض الى فوضى مدمرة.

لكل ما تقدم يجب استمالة امريكا وتطبيع العلاقات معها عبر الاستعانة بموروثاتنا في الأمثال الثلاثة والامتثال لرغبة الغالبية العظمى من السودانيين في اجراء تغيير حقيقي في سياسات وهياكل الحكم عبر حوار وطني جاد يستصحب القوى المؤثرة حقيقة في الأحزاب الكبيرة والقوى السياسية والعسكرية المؤثرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

هناك متسع من الوقت قبل أبريل 2015 لإجراء حوار جاد حقيقي يفضي برضاء الجميع الى إقرار دستور دائم جديد- تأجيل الانتخابات-وقف الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وإعادة هيكلة الحكم في أقاليم ثمانية كبرى في الدستور الدائم الجديد وانتقال سلس للتداول السلمي للسلطة عبر حكومة قومية حقيقية شكلاً ومضموناً أقول متسع من الوقت لأن نقاط الخلاف معلومة والثقة المتبادلة هي المعدومة.

متى توفرت الثقة المتبادلة.. الوقت حتى أبريل 2015 كاف.

والله الموفق.

صحيفة آخر لحظة
تقرير: م/عمر البكري ابو حراز

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *