جعفر عباس : الدوحة في عصر «القليل يكفي»

كنا حتى مطلع التسعينات، نذهب إلى مطار الدوحة مرة في الأسبوع، لاستقبال الطائرة القادمة من السودان، دون أن يكون هناك بالضرورة شخص نعرفه على متنها، فكل ما كنا نريده هو أن نشم رائحة الوطن ونشمشم أخباره من القادمين منه، بل لم يحدث أن هبطت طائرة سودانية في الدوحة دون أن يكون فيها شخص بلا معارف في المدينة فيتقدم أكثر من شخص لاستضافته إلى حين لقائه بمسؤولين في جهة عمله، وكان السودانيون في قطر جالية صغيرة، ولكن محترمة والكثير من أفرادها من نجوم المجتمع، إما بحكم مناصبهم الرفيعة أو لأنهم متميزون في مجال مهني أو رياضي، وكان هناك ترابط قوي بين أفراد الجالية، وبالتالي لم يكن هناك استعلاء طبقي بينهم، فعلى سبيل المثال كان الشرطيون والنظاميون السودانيون في قطر بالمئات، ولكنهم كانوا على تواصل اجتماعي منتظم مع المهنيين والمثقفين وكبار الموظفين.
وأذكر أنني خلال إقامتي الأولى فيها، والتي استمرت سنة واحدة، لم أفكر في امتلاك سيارة، فقد كان هناك على الدوام أكثر من زول يقوم بتوصيلي من وإلى مكان العمل أو للزيارات الاجتماعية، ورغم أنني أتمتع بذاكرة قوية – أو أحسب ذلك – إلا أنني لا أذكر أين كنت مقيما خلال تلك السنة. نعم كان لي سكن معلوم، ولكن «الأزوال» من حولي لم يرضوا لي أن أقيم فيه بمفردي، وهكذا كنت أقيم مع مجموعة من العزاب حينا من الدهر ثم أنتقل إلى بيت مجموعة أخرى، حتى استقدمت عائلتي فانتهى عهد الصرمحة.
ولم يكن بالدوحة اي مرفق للترفيه، وبالتالي كان وباء ألعاب الورق متفشيا بين القطريين والسودانيين، وكان السوداني الذي لا يعرف لعبة الكنكان، يعاني من مركب نقص، لأن دوره كان يقتصر على متابعة اللاعبين وهم يتصايحون، ولابد أن تصدر عن أي سوداني يمارس لعبة تنافسية كلمة «كيشه»، بكسر الكاف وتعني الفاشل في اللعب، ونلت نصيبا وافرا من لقب كيشه، رغم أنني كنت ماهرا في لعبة الكنكان، بسبب مناوراتي «الانتحارية» التي تتمثل في إعطاء الخصم ورقة قد تؤدي إلى كسبه للجولة، أما إذا صدق حدسي فأكون قد تخلصت من ورقة كانت عبئا عليّ مما قد يمهد لكسبي الجولة، ثم – سبحان الله – صرت لا أطيق أي نوع من ألعاب الورق، بل لا أجالس من يلعبونها، ذلك لأنني وبعد إنجاب طفلي الثاني قررت أن أكون أبا/ والدا فل تايم اي بدوام كامل، بمعنى أنني قررت أن عيالي أولى بوقتي، واكتشفت أن ملاعبتهم أكثر تسلية من لعب الورق، ولا تجعلني أتعرض للاتهام بأنني «كيشه» بل صار العيال هم من يستحقون تلك التسمية كان راتبي الشهري في حدود 4000 ريال وكنت أكسب من الترجمة دخلا إضافيا، ولكن حتى تلك الـ4000 كانت تكفي للعيش المرفه، فقد كانت «البلدية» تراقب أسواق اللحوم والخضروات مراقبة دقيقة، بل كنا نشتري اللحم ملفوفا برقائق بلاستيك شفافة وعليه خاتم يوضح وزنه وسعره، ولو اشتريت سكرا بعشرين ريالا لكفاك لثلاثة أشهر من بينها رمضان، وأذكر أن شركة المانع استوردت سيارات روسية ماركة لادا، وكانت الواحدة تباع بـ17 ألف ريال، وهو مبلغ لا يكفي اليوم لشراء سيارة كورية عمرها ست سنوات، والأهم من كل ذلك أن عيالنا كانوا لا يعرفون سوى أكل البيت، فلا بيرغر ولا بيتزا ولكن كان هناك محل لكنتاكي وآخر لهارديز قرب جسر بوعبود، وكنت أحرص على تفاديهما وأنا أتجول مع عيالي.

جعفر عباس
jafabbas19@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *