حيدر المكاشفي : عندما تصاب (الماسورة) بداء السكري

كلما جاءت سيرة الأخطاء الشنيعة في نتائج فحوصات المختبرات الطبية أو تدني مستوى الأداء فيها أو نقص تأهيل بعض من يمتهنونها أو تخلف أجهزتها أو عدم فعالية المواد المستخدمة في الفحص ،كلما تذكرت ذاك الاسكتش المسرحي الذي قدمته قبل سنوات فرقة الأصدقاء المسرحية وعالجت عبره هذه القضية حين كثرت الشكاوي من أخطاء بعض هذه المعامل ، والاسكتش يجعل سيدة عجوز تذهب الى أحد هذه المختبرات تطلب فحص عمومي للبول،ويمنحها الفحيص القارورة وتدخل الحمام،ولكن يتأبى عليها البول وتشح المثانة فلم تجد ولو بنقطة ،فقررت منعا للحرج أن لا تعود بالقارورة فارغة فملأتها من ماسورة الحمام ودفعت بها للفحيص ، (كج) الفحيص عينه اليسرى ووضع اليمنى على عدسة المجهر وانهمك في (التحليل ) ، بعد برهة رفع رأسه وتناول ورقة كتب عليها ما توصل له ثم نادى على العجوز معلنا النتيجة ( يا حاجة أربعة صلايب سكرى.. من هنا ولي قدام تعملي حسابك ) فما كان من الحاجة الا أن صرخت فيه (اصلبك سيدي الحسن انشالله..أربعة صلايب في ماسورتكم.. أول أمشوا عالجو ماسورتكم دي قبل تفقهلكم الناس الحايمة دي)..كان ذلك قبل عدة سنوات ولكن يبدو أن حال هذه المختبرات الان لم يختلف كثيرا عن زمان الاسكتش،فقد سمعت مرة البروفسور مامون حميدة على أيامنا هذه يقول عبر برنامجه التلفزيوني(صحتك): إن 50% من المعامل الطبية في السودان تخطئ في نتائج الفحص الطبي.. ويكتب الأطباء الوصفات العلاجية الخاطئة اعتماداً على هذا التشخيص الخطأ… هذا غير عشرات القصص الحزينة لأخطاء التشخيص القاتلة…

ثم ها هو الأمين العام لمجلس المهن الصحية والطبية الدكتور زكي محمد البشير يعيد تجديد ذكرى هذه السيرة المزعجة لأخطاء التشخيص،بمقولته الصادمة (طردنا أجانبا كانوا شغالين مختبرات بشهادات انتاج حيواني في بعض المستشفيات الخاصة) التي صعقنا بها في حواره المنشور أمس (السبت) بالغراء (الأهرام اليوم)،وقد ذكرتني هذه المقولة الصادمة عن اختصاصيي الانتاج الحيواني الذين امتهنوا التشخيص البشري،حكاية الشخص الذي شكا لصديقه البيطري من حبس في البول، فقام البيطري بتركيب حلابة اللبن لشفط البول بنجاح، وعندما حاول فكها لم يستطع فاستعان على حلها بقراءة التعليمات فوجد أنها مبرمجة آلياً للفكاك بعد شفط مائة لتر… فماذا يعني ذلك غير أن المشكلة ما زالت قائمة وأن كثيرا من المرضى كانوا في الحقيقة يعانون من علل طفيفة، لكن تضاعفت عللهم وابتلوا بمرض عضال نتيجة العلاج الخطأ المستند على تشخيص خاطئ،ولا يعلم الا الله كم منهم يا ترى توَّفاهُمُ الله إلى رحمته نتيجة تشخيص خاطئ تناولوا بسببه دواءا خاطئا وقاتلا، انها والله مصيبة لا تقل في خطورتها عن جرائم القتل،وانها والله مصيبة أن يكون المرضى رهنا لمستويات هذه المعامل وأن لا يحصلوا على تشخيص صحيح ودقيق الا وفقا لقاعدة (شختك بختك).. من يسوقه حظه السعيد الى مختبر كامل التأهيل والتجهيز يحصل على نتيجة صحيحة ودقيقة فينجو من الهلاك،أما صاحب الحظ التعيس فلا محالة هالك، ان لم يكن بالوفاة فبالاهلاك المادي جراء صرفه للتعافي من العلة التي أضافها له التشخيص الخاطئ…

بشفافية – صحيفة التغيير
حيدر المكاشفي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *