في حوار شامل : رئيس الجمهورية: خريطة “الاتحادية” موجودة في مكانها منذ انشاء قصر

بين طيات السحاب، على بعد 35 ألف قدم فوق سطح الأرض، وفي طريق عودتنا من قاهرة المعز كانت هذه السانحة الحوارية مع السيد رئيس الجمهورية. الزيارة وصفت لدى العديد من الدوائر بالـ(ناجحة)، بيد أن الوصف كانت تشي به سيماء الانشراح وراحة البال على محيا الرئيس.. ربما لكون العلاقة بين البلدين قد وضعت أخيراً في مسارها الصحيح.

معية الزملاء الأفاضل؛ الإعلامي الشامل أحمد البلال الطيب، رئيس تحرير أخبار اليوم، والكاتب الصحفي المعروف، محمد محمد خير، اكتمل عقد الجلسة الحوارية. نشير إلى أن محاور المقابلة السريعة لم تقتصر على موضوع الزيارة فحسب، بل تضمنت العديد من الملفات الأخرى، حيث أدلى خلالها رئيس الجمهورية بإفادات صريحة ونثر خلال حديثه الكثير من المعلومات حول بعض الموضوعات التي تشغل الساحة. ودحض رئيس الجمهورية خلال المقابلة ما راج عن تعمد وضع الحكومة المصرية خريطة تشير إلى وجود حلايب داخل الأراضي المصرية، خلال لقاء القمة بينه ونظيره المصري مشيراً بالقول إن الخريطة المذكورة موجودة في مكانها منذ إنشاء قصر الاتحادية، وجدد تأكيده على سودانية حلايب، وعدم الاحتراب مع مصر عليها. كما وجه البشير خلال الحوار انتقادات حادة للصادق المهدي كاشفاً عن معلومات جديدة بالخصوص، وقال إن من جمع الصادق المهدي مع الجبهة الثورية صهيوني، مضيفاً بالقول إن قادة الجبهة بحثوا عن المهدي ليجمل لهم المشروع ويساعدهم على تنفيذه، وأردف: “نمتلك معلومات مؤكدة عن أن الجبهة الثورية تبحث عن شخصية قومية تساعدها على تنفيذ مخططاتها”.

* نبدأ من محطات الختام؛ قبل صعودنا إلى الطائرة، ومن خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعك مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وصفت الزيارة بأنها (تاريخية).. ترى من أي وجهة استحقت الزيارة الوصف، وما أبرز القضايا التي تطرقتم لها في اليومين الماضيين؟

– خلال 25 عاماً زرت مصر مراراً وتكراراً، ولكن لم يحدث أن شعرت بالراحة النفسية مثلما حدث في الزيارة الحالية، وقد انتابني شعور غامر بصدق الرئيس السيسي، وجدية توجهاته؛ وقد بدت تلك الجدية واضحة في زيارته للخرطوم، والتي تمت بمبادرة شخصية منه، حسب تقديري، إذ أنها المرة الأولى التي يبادر فيها الرئيس السيسي بزيارة دولة دون وفد مقدمة، وهو الوفد المكون في العادة من رجال الأمن والمراسم، ومن دون أن تتم الإجراءات الأمنية المعتادة؛ من وضع برنامج، وتفتيش للصالة، وما إلى ذلك من إجراءات التأمين.. حدث كل ذلك مع أن زيارة السيسي كانت معلنة قبل 24 ساعة من موعد وصوله إلى الخرطوم.. وأثناء زيارتي الأخيرة للقاهرة عندما اقترحت عليه أن يتم ترفيع اللجنة الوزارية إلى رئاسية وافق على المقترح من دون تردد، وتحمس له.. اتفقنا على تأجيل القضايا الخلافية وعدم مناقشتها، لأننا قد لا نتفق إذا ما بدأنا بها. وقضية حلايب ليست جديدة، والخلاف حولها مستمر منذ العام 1958، لذلك فضلنا عدم مناقشتها.. هناك مصالح ضخمة للبلدين يمكن أن تتحقق من خلال التعاون المشترك. وكذلك ناقشنا جملة من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الليبية، واتفقنا على دعم استقرار ليبيا ووحدتها، وأمنّا على الأمر نفسه في ما يتعلق بالصومال. حتى في القضية السورية تطابقت الرؤى بيننا حول ضرورة دعم مساعي الحل السياسي، لأن الإصرار على الحل العسكري يعني المزيد من التدمير والقمع وتشريد المدنيين.. نحن كعسكريين نعرف جيداً أن الحرب دائماً ما تأتي في آخر مراحل العمل الدبلوماسي، وبعد أن يتعذر الحل السياسي. وحتى عندما يتم تحقيق نصر عسكري باهر تحدث خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات؛ فالأرملة التي تفقد زوجها، والنائحة التي تشيع طفلها لا يمكن أن تجد ما يعزيها عن فقدها. لذلك رأينا أن الحل السياسي هو الأجدى لكل القضايا الإقليمية.

* تلقفت الوسائط الإعلامية المختلفة أنباء ترفيع اللجنة الوزارية المشتركة إلى المستوى الرئاسي، بوصفها من أبرز مخرجات القمة.. – نعم.. اللجنة الرئاسية ستنظم عمل الوزراء، وستمكن الرئيسين من متابعة أي قصور يحدث في أي من الملفات التي اتفقنا على تفعيلها، واللجنة ستنعقد بالتناوب بالخرطوم والقاهرة.

* خلال المؤتمر الصحفي طلبت أنت والرئيس السيسي من الإعلام أن يدعم أوجه التعاون بين البلدين، وأن يتوقف عن إثارة القضايا الخلافية..

– خلال لقائي مع الرئيس السيسي تحدث معتذراً عن بعض التفلتات التي حدثت من إعلاميين مصريين خلال الفترة الماضية. وبالأمس تحدثت بعض وسائل الإعلام المصرية عن أن الجانب المصري تعمد وضع خريطة تشير إلى وجود مثلث حلايب داخل الأراضي المصرية، وعلمت أن الخريطة المذكورة موجودة في مكانها منذ أن تم إنشاء قصر الاتحادية. هم يقولون إن حلايب مصرية، ونحن نقول ونصر على سودانية حلايب، لكننا لن نحترب عليها، وإذا نجحنا في تفعيل برامج التعاون المشترك وأنجزنا ما اتفقنا عليه، فستزول الحدود تلقائياً، ولن يحدث خلاف حولها.

* حسناً، على ذكر التعاون الاقتصادي وتفعيل الاستثمار بين البلدين، بوصفها الصيغة المثلى لتحجيم الخلافات.. ماذا حدث بشأن الملف؟

– نحن نعاني من بعض المشاكل في ملف الاستثمار، ومعلوم أن السودان فقد حوالي 80 بالمئة من مداخيله من النقد الأجنبي بعد فصل الجنوب وفقدان عوائد البترول.. ذلك الواقع انعكس سلبيا على مناخ الاستثمار في السودان، حيث عانى المستثمرون مصاعب جمة في تحويل استثماراتهم إلى الخارج، وتأثر الاستثمار، لكن الفترة المذكورة باتت على مشارف نهايتها. وأنا أقول لمن يدعون أن التحسن الذي طرأ على أداء الاقتصاد السوداني في الآونة الأخيرة قد تم بلا مجهود من الدولة، إن ذلك حدث نتاجاً للبرنامج الثلاثي، الذي وصلنا إلى نهايته، وبدأت ثمراته تظهر في انخفاض نسبة التضخم، وتحسن معدلات صرف العملة الوطنية، وأنا أقول بكل ثقة إننا قد شارفنا على الخروج من مشكلتنا الاقتصادية، وأتوقع أن ينعكس ذلك إيجابا على مناخ الاستثمار.. المستثمرون المصريون لديهم مشروعات في السودان تعاني من بعض المشكلات تتطلب منا أن نسعى إلى حلها.

* هناك مقترح بإنشاء منطقتين حرتين على الحدود..

– بكل تأكيد إنشاء مناطق حرة سيزيل الكثير من المشاكل وعلى رأسها مشكلة التحويل وسينعش التجارة البينية بين البلدين، والموضوع قيد البحث بين الوزيرين المعنيين، وأتمنى أن نفلح في إنجازه. نتوقع أيضا أن تسهم الطرق البرية في تنشيط وتيرة وحركة التجارة بين السودان ومصر؛ تم افتتاح الطريق الأول فعليا (قسطل – أشكيت)، وهناك أيضا طريقان: طريق غرب النيل (أرقين)، والطريق الساحلي.. كل هذه الطرق من شأنها أن ترفع وتنشط حركة التجارة بين البلدين.

* حسناً، بعيداً عن ملفات الاقتصاد، قريباً من الأيدولوجيا.. أثيرت خلال الفترة الماضية بعض الأقاويل عن دعم سوداني للإخوان المسلمين، وأنتم أكدتم أنكم لا تتدخلون في الشأن المصري.. هل أثيرت هذه القضية خلال المباحثات مع الرئيس السيسي؟

– هذا شأن داخلي يخص المصريين، ونحن لم نتدخل فيه أبداً.. تحديد هوية من يحكم مصر من صميم مسؤوليات الشعب المصري، ولا يعنينا بشيء، ولن نعيب على أي أحد أن يأتي بانقلاب.

* تردد خلال الفترة الماضية أن هناك تبايناً في الرؤى حول ما يحدث في ليبيا.. على ماذا اتفقتم بشأن الملف؟

– نحن نمتلك علاقات قوية مع كل فصائل الثوار الليبيين، ولا يخفى على أحد أننا دعمناهم وساندناهم بما نستطيع، لأننا تضررنا كثيرا من فترة حكم القذافي. سنستخدم علاقاتنا مع الفصائل الليبية لنجمع أبناء الشعب الليبي على كلمة سواء على أمل أن يصلوا إلى حل يعيد الاستقرار إلى ليبيا.

* من الخارج إلى الداخل؛ بعد مرور حوالي 10 أشهر منذ انطلاقها، كيف ترون مسيرة الحوار حتى اللحظة، وكذلك كيف تقيم أداء آلية (7+7)؟

– نحن طرحنا مبادرة للحوار الوطني استهدفنا بها جمع كلمة أبناء السودان، وتوحيد الصف الوطني، ففهمهما بعض المعارضين على أنها تمثل مؤشر ضعف.. نحن لم نتحدث عن حكومة قومية أو انتقالية بل دعونا إلى الحوار، ووضعنا له أربعة محاور؛ تتعلق بقضايا مهمة، مثل السلام والاقتصاد والحريات والهوية، ورأى البعض ضرورة إضافة محور خامس يتعلق بالعلاقات الخارجية، ووافقنا على ذلك. هناك من يريدون القفز فوق المبادرة، وحرق المراحل، وتجاوز الحوار إلى نتائجه مباشرة وهذا أمر غير مقبول.. في ما يتعلق بقضية الحريات مثلاً نريد أن نتحاور بدءا على القضية المذكورة ونتفاكر حول مفهوم الحريات، ونتفق على ما يحفظ الأمن القومي وعلى الخطوط الحمراء.. معلوم أن الحوار لا يعطل القوانين. نحن ملتزمون بتنفيذ مخرجات الحوار حول القضايا الخلافية، وملتزمون بأن نحول كل ما نتفق عليه إلى برنامج عمل قابل للتنفيذ الفوري.. دعوتنا شملت كل الناس، ولم تستثن الأحزاب وحملة السلاح ومنظمات المجتمع المدني، لكن البعض اعترض على دعوة منظمات المجتمع المدني، بادعاء أنها تنتمي إلى المؤتمر الوطني، ونرى أن غالبية الشعب السوداني لا تنتمي لأحزاب، لذلك أطلقنا مبادرة الحوار المجتمعي، ونحن مصرون على تفعيلها.

* الموقف من الصادق المهدي خصوصاً وأننا قد علمنا بطلبه الاجتماع بكم..

ذلك صحيح.. تجاوز الصادق المهدي القانون في المرة الأولى وتمت ملاحقته بواسطة القانون الجنائي، وتجاوزنا ذلك الأمر وأمرنا بإطلاق سراحه، فذهب إلى باريس ووقع إعلانا مع الجبهة الثورية، لذلك رفضنا لقاءه، وإذا تنازل عن إعلان باريس فلا يوجد ما يمنع عودته للحوار.. الصادق ارتكب خطأ كبيرا بتوقيعه على إعلان باريس، لأن الجبهة الثورية لديها برنامج معلن ومعلوم للكافة ويقوم على استخدام السلاح لتقويض النظام، ونحن نمتلك معلومات مؤكدة عن أن الجبهة الثورية تبحث عن شخصية قومية تساعدها على تنفيذ مخططاتها، وذلك يمثل خلاصة مشروع صهيوني يستهدف السودان.. الذي جمع الصادق المهدي مع الجبهة الثورية صهيوني، وقادة الجبهة الثورية يعلمون يقينا أن مشروعهم لا يحظى بأي قبول لذلك بحثوا عمن يجمل المشروع ويساعدهم على تنفيذه.

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *