إزالة كلية لـ(ظبية المسالمة) وجزئية لبقية حسناوات الزمن الجميل

مواطنة: أم درمان بمثابة إرث ثقافي وديني ومجتمعي يجب الحفاظ عليها
تذمر وتخوف وسط قاطني حي المسالمة من تغول سوق أم درمان على المنازل
إخطار من المحلية بعدم تأجير أي منزل في الحي.. وهناك ما يقارب الـ(500) مخزن
سيدة تعول (7) أطفال (3) منهم معاقون تشكو الإزالة الكلية
مواطن: لن نخرج من منازلنا إلا جثثاً محمولة

ما بين الإزالة الكلية والجزئية يتأرجح مصير بعض سكان حي المسالمة وما يجاوره من أحياء داخل أم درمان القديمة بعد أن شرعت محليتها في بدء عمليات التكسير والاقتطاع والإزالة بغية تجميل وجه المدينة وتوسعة شوارع بعينها وفقاً لتخطيط مدروس، تبدأ من مستشفى (التجاني الماحي) مروراً بـ(حي البوستة) الذي تمت فعلياً إزالة دكاكين وأكشاك به، عطفاً على سوق أم درمان، ومن ثم (حي المسالمة) و(حي العرب).
لم يخطر ببال أحد من سكان هذه المناطق أن يأتي يوم يهدد استقرارهم بإزالة محالهم ومساكنهم أو يستقطع منها، وهم الذين كانوا وما زالوا من مؤسسي المنطقة وواضعي لبناتها الأولى، بغرض إعادة التخطيط وتعويضهم بمبلغ يرى أغلبهم أنه غير مجزٍ في ظل ظروف اقتصادية قاسية.. (المجهر) وقفت على مخاوف هؤلاء السكان ووثقت لها بالعدسة والقلم.
{ أم درمان القديمة
نريدها نظيفة مضاءة ومخضرة، هذا ما لفت إليه “اليسع الصديق” معتمد محلية أم درمان خلال لقائه بتلفزيون ولاية الخرطوم وهو يسعى لتقديم صورة لأم درمان ما بين اليوم والأمس، وذلك من خلال ما سماه بالحركة العملية لإصحاح البيئة. وقد ذكر في تصريح سابق لـ(smc) إن شروعهم في إزالة المباني العشوائية في منطقة أم درمان القديمة (حي العرب والسوق الكبير وشارع الرباطاب وحي المسالمة)، بهدف إعادة تخطيط المنطقة وتوصيل شبكات المياه والصرف الصحي، وقال “اليسع” إن شروعهم في إعادة التخطيط جاء بالتنسيق مع الجهات المختصة التي تمكنت من إزالة المعوقات كافة المصاحبة لتلك الأحياء والمناطق طوال الفترة الماضية، وأوضح أن عمليات التخطيط تشمل تنظيم المباني، وإزالة العشوائي منها، بجانب توفير خدمات الإنارة والمياه والصرف الصحي.
(المعتمد) رغم تأكيداته على دفع التعويضات للمتأثرين قبل الشروع في الإزالة لتفادي أية مشكلات قد تعرقل عمليات التخطيط وإزالة العشوائيات بمنطقة أم درمان القديمة، إلا أن هناك من يرفض هذه التعويضات رفضاً تاماً مهما علت قيمتها، لأنهم يتمسكون بأمدرمانهم العريقة ذات التراث والعراقة والحضارة التليدة.
{ تحدٍ وإصرار على البقاء
ربما بدت قصة الناشطة القبطية “مارثا جوزيف”، الحاصلة على درجة الماجستير في علم النفس من جامعة الأحفاد والخبيرة في اتحاد الشباب السوداني، ربما بدت مغايرة تماماً لمشكلة حي المسالمة، ولكن القاسم المشترك الذي يجمع ما بين القصتين، هو تلك العزيمة التي تحدت بها عادات وتقاليد الأقباط حين نالت قسيمة طلاقها في مجتمع ذي عقيدة طائفية تنبذ الطلاق وتحرمه عبر الكنيسة، ولم تتوقف عند ذلك بل أكملت تعليمها من مقاعد اتحاد المعلمين لتنال الماجستير في علم النفس بجامعة الأحفاد، وها هي بذات العزيمة والإصرار تسعى للحفاظ على حي المسالمة الذي نشأت وترعرعت فيه بكل ما أوتيت من سبل.
{ فقدنا الأمان
وأبدت “مارثا” لـ(المجهر) رفضها التام لإزالة المساكن أو إعادة تخطيط الحي مهما كانت القيمة المالية التي سيُعوض بها المتأثرون، لأن أم درمان بمثابة إرث ثقافي وديني ومجتمعي ذي قيمة عريقة في تاريخ السودان يجب الحفاظ عليها لا سيما حي المسالمة الذي تغنى له عدد من الشعراء والملحنين، ورفضت “مارثا” أن يتحول حي المسالمة إلى (سوق) بحد قولها، حيث أبدت تذمرها من زحف (سوق أم درمان) علي منازلهم بعد أن أصبح الحي عبارة عن مخازن، الأمر الذي بات يشكل خطورة أمنية على السكان وزاد من ارتفاع قيمة الإيجارات بالحي، وقالت: (أصبحت أخشى على أبنائي  لأن المسالمة باتت تعج بالأغراب)، وأردفت: (كنا نعيش بأمان والآن كثرت السرقات بالمنطقة).
{ لن نستغني عنها
تناصفت والدة “مارثا” الحديث معها حول الإزالة التي ترفضها تماماً لا سيما أن الضرر يقع على منزلها من الجانبين نسبة لوقوعه في ناصية الشارع، فقالت: (نفسياتنا تعبانة من الموضوع ده، بيتي كلو عبارة عن 140 متر ورثتها عن أجدادي كيف يزال منه بناحيتين؟)، وأشارت “سميرة نبيل” والدة “مارثا” بيدها ناحية دكان منزلها الذي جعلت منه مطبخاً نسبة لضيق المنزل وقالت: (مساحة الدكان بالكامل ستتم إزالتها وأنا في أمس الحاجة لإيجاره مرة أخرى حتى يعينني في أكل عيشي).
وأمنت “سميرة” على حديث ابنتها وهي تشكو معاناتهم من زحف السوق داخل حي المسالمة، وكيف أنها تخشى على حفيدتها من خروج الشارع بعد أن كثر العتالون بالحي، وختمت قائلة: (المسالمة كانت آمنة والآن تغير الوضع ومع ذلك لن نستغني عنها) مضيفة: (دي بيوتنا وبيوت آباءنا ما بنسيبها).
{ ظبية المسالمة.. إزالة كاملة
“عصام عثمان عبد الرحمن” أو (عصام ضربة) كما يحلو لأهل الحي مناداته وهو يشغل نائب سكرتير اللجنة الشعبية بحي المسالمة، يعرفه الجميع ويقصدونه في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهم، وحين قصدته (المجهر) لمست كم هو مهموم بهذه القضية، وأن يظل الحي بصورته المألوفة منذ عقود خلت، وتبدى تحسره أكثر وأوضح على الحديقة التي تم إنشاؤها تحت مسمى (ظبية المسالمة) التي ستزال بأكملها، كما أبدى نائب سكرتير اللجنة الشعبية رفضه التام للإزالة، داعياً للمحافظة على هذا الإرث التاريخي. وأشار “عصام” إلى ورود إخطار من المحلية بعدم تأجير أي منزل من منازل الحي ليكون مخزناً دون إذن من اللجنة الشعبية بعد أن تحول الأمر إلى فوضى، وأصبح هناك ما يقارب الـ(500) مخزن- على حد قوله.
{ إزالة كلية.. وأطفال معاقون
مشهد آخر مختلف الفصول والرواية، فهناك منزل يستفيق سكانه يومياً على هاجس الإزالة الكلية، ولو أنها جزئية لهان الخطب.. سبعة أطفال، ثلاثة منهم يعانون الإعاقة، تقوم والدتهم على أمرهم، بينما شّد والدهم الرحال إلى الملكة العربية السعودية ينشد توفير احتياجاتهم، لكن وحسب زوجته فإن سوء وضعه وبالكاد حصوله على رزق اليوم باليوم دون أدنى توفير حال دون هذه الالتزامات.. ووقفت الزوجة “كوثر كرار” وهي تذرف الدموع وتقول: (تم إخطاري من قبل المحلية أن منزلي “حكر” وليس “ملك حر”، لذلك لابد من إزالته إزالة كاملة)، وأردفت: (هذا المنزل ورثة من زوجي ومساحته 289 متراً ولديّ سبعة أطفال ثلاثة منهم معاقون إلى أين ستكون قبلتي إذا مرض أحدهم فجأة؟)، واستطردت: (حالياً أعيش في وسط الحي والمشفى قرب مني وجيراني سيعينونني لعلمهم أنني وحيدة)، وتابعت: (لكن في حال تم تعويضي تعويضاً جيداً فربما سيتيح لي ذلك شراء منزل.. خلاف ذلك لن يزال إلا على رؤوسنا).
{ (لو شالتو الحكومة نمشي وين)؟
وها هو منزل آخر مساحته حوالي (850) متراً يحوي بداخله مجموعة أسر تختلف قصصهم وحكاياتهم وتجمعهم مخاوف الإزالة.. (المجهر) التقت الحاجة “حياة حسين” واحدة من سكانه ربما قاربت الثمانين من عمرها إلا أنها ما زالت محتفظة بمسحة جمال (يمني) أبت أن تغادر قسمات وجهها رغم آلام المفاصل التي تعانيها. الحاجة “حياة ” شقيقة اللواء “علي حسين اليماني” الذي قدم الكثير للوطن إبان العهد المايوي، إلا أنهم- على حد تعبيرها- لم يراعوا ما قدمه في أسرته التي تواجه الضياع في ظل ظروف قاسية تعيشها وشقيقاتها، وعن ذلك قالت: (نحن ناس على قدر حالنا ومحمولين ولدينا أطفال، أنا أعاني المرض وشقيقاتي يعانين الشلل وليس لدينا بديل أو استطاعة لإيجاد بديل مناسب)، وأردفت: (ورثنا هذا المنزل عن والدي وقمنا بتقسيمه بيننا بالمحنة لو شالتو الحكومة نمشي وين؟).
{ لن نخرج إلا جثث
وفي المقابل يرى ابن الحاجة “حياة” الأستاذ “محمد أحمد علي” أن أية مدينة تعدى عمرها المائة عام يجب الحفاظ عليها باعتبارها  تراثاً، مضيفاً إنه إذا كان لابد من تجميل عاصمة فعليك بإنشاء عاصمة جديدة، ويوافقه القول شقيقه “محمد علي صالح” الذي أكد مناهضتهم لهذا القرار قائلاً: (هذا البيت يحوي بداخله أربعة أسر أين نذهب بهم، وإذا تم تعويضنا أين سيكون؟ وكم هو المقابل؟ فأم درمان أصبحت مليئة وممتدة)، وزاد: (لن نخرج من منزلنا إلا جثثاً محمولة).
ولم يخف “الفاضل محمود” صاحب محل (لف موتورات) تأثره بالإزالة الكاملة، وذلك لفقده زبائنه لا سيما أنه موجود بهذا المكان منذ حوالي (14) عاماً.

 

تحقيق ـ هبة محمود

المجهر السياسي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *