جمال علي حسن : أرجوكم لا تنتحروا

برغم قساوة المحن.. كما يقول المنشد.. ورغم الضيق والفقر والإحباط والزهج الذي يجعلنا نستهلك مثل عبارات (وصلت الحد) و( قفلت معاي) في حياتنا اليومية، لكن الشعب السوداني لا يعرف ثقافة الانتحار هذه، فهو شعب متحضر وراسخ في وعيه.. يمكن أن تظهر فيه حالات انتحار لأسباب مرضية، لكن وحتى نكون أكثر علمية، فإن التقارير والملاحظات العلمية تصنف مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل عام خارج ثقافة الانتحار..

الثقافة منتشرة في دول آسيوية، وهذا نلحظه كمقيمين خارج السودان. حيث أن أكبر نسبة للانتحار بين الوافدين في دول الخليج تجدها عند الجاليات الآسيوية كالهنود مثلا،ً والذين قد يتخلص بعضهم من الحياة لأسباب غريبة جداً، كأن يفقد وظيفته مثلا ً بشكل مفاجئ أو يتعرض للاكتئاب لأسباب مختلفة.. وبالمناسبة فإن مرضى الاكتئاب بشكل عام يمثلون النسبة الأكبر من المنتحرين في العالم. حيث أن خمسين بالمائة من المنتحرين في العالم تعرضوا للإصابة بالكآبة والاكتئاب في وقت من أوقات حياتهم..

ورغما عن ذلك، تجدنا في السودان أيضا نستهلك مصطلح اكتئاب في توصيفنا لحالاتنا اليومية بشكل غير دقيق.. في حين أن الحالة التي تكون قد أصابتنا أقل من ذلك بكثير مجرد (قفلة) يمكن إزالتها بتغيير الروتين أو محاولة الانتقال من المكان الكئيب الذي شعرنا فيه بتلك الحالة إلى مكان آخر..

مؤخراً بدأنا ننتج نكات وطرائف كثيرة نسخر بها من حالنا، ولكنها سخرية حميدة لا نتعامل معها بكل تلك الصرامة المعروفة فينا.. لأننا وبرغم صرامة شخصيتنا السودانية، لكن في أمور الحياة لدينا نوع من اليقين الغريب والعجيب، فالجائع حين يجوع، ثم يتحصل على لقمة عيشه، تجده يحكي لك القصة بلغة اصطلاحية متيقنة وراقية وهو يقول: (جازفت لي عشاء)..

فكرة الحياة بالنسبة لنا كسودانيين ليست فكرة متعبة لهذا الحد بقدر ما فيها من مكابدة وتعب، لكننا لا ننتحر أبداً.. وأعتقد أن حالات الانتحار القليلة جداً التي بدأت تظهر في مجتمعنا وآخرها الشاب السوداني الذي عثروا على جثته معلقة بحبل على شجرة بولاية الجزيرة.. هذه الحالات على قلتها لكنها تعطي مؤشراً يتطلب الانتباه له كونها غريبة عن ثقافتنا تماماً..

إيماننا قوي وطموحاتنا غير الملحة وثقافتنا الزاهدة في ملاهي الدنيا وعدم الاكتراث لها وللحياة أو التعظيم الشديد لها.. تلك الأشياء تمثل منظومة المناعة الصلبة التي نواجه بها الإحباطات.. نحن مجتمع غير مُلِحْ على الحياة، لكننا مجتمع مؤمن وملتزم ومتوازن وواعي..

مجتمع ملئ بإحساس السخرية من الحياة وكلها علامات جيدة.. تعوض لنا بعض ما نفتقده من شروط البيئة المثالية الواقية من الاكتئاب.. بيئة الترويح عن النفس.. وصناعة الحياة، شخصيتنا السودانية لو لم تكن تتمتع في ثقافتها بقدر عالٍ من الإيمانيات، فإن الصرامة والحساسية العالية عند بعض السودانيين ربما كانت ستمثل إخلالا بهذا التوازن الكبير في قلوبنا وعقولنا.. ازهجوا ما شئتم، لكن أرجوكم لا تفكروا في الانتحار.. تلك النهاية القبيحة للحياة ..!

شوكة كرامة:

لا تنازل عن حلايب وشلاتين.

جنة الشوك – صحيفة اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *