حسن إسماعيل : قصتي مع الانقلابات العسكرية


حسنا ..فأنا أقرأ من الكتاب الذي اهداه لي أستاذنا الفاضل إدريس حسن، والذي قدم فيه سردا لمشاهداته ومعايشاته لكثير من احداث وتفاصيل الانقلابات التي وقعت في السودان.. ربما تكون المعلومات في حد ذاتها ليست جديدة وموجودة بشكل أو بآخر هنا وهناك، ولكن الجديد هي التأكيدات التي قطع بها الأستاذ من خلال معايشته الشخصية لبعض تلك الأحداث، بل إنه كان طرفاً فيه وبالتالي تأتي قيمة الكتاب في المقام الأول كشهادة إثبات لكثير من الاقوال الشفاهية المتداولة شفاهة بين الألسن والآذان بغيرما تدوين.. وكذلك فإن بعض الروايات تستوجب فتح باب التحري والاستقصاء في بعض القضايا التي قرأتها بروايات أخرى ومختلفة عن تلك التي وردت في كتاب أستاذنا الجليل


الأهم من الروايات والسرد والحيثيات هي الوقوف بعيدا بعد أن تثني أوراق الكتاب وتغلق دفتيه للتأمل العميق في حال ومآل ومسار القصة السياسية السودانية.. قلنا إن الأحداث الكبيرة والمفصلية في السودان والتي تركت شرخا وأثرا كبيرا على وجه الحياة والتاريخ والمستقبل فيه تمت بدوافع ذاتية وشخصية وبالكثير دوافع شللية.. نعم كل قرارات الانقلابات تمت بدوافع وحساب وردود الفعل الشخصي الذاتي أو الحزبي الضيق ثم كانت النتيجة هي هذا التوهان المخيف وهذا الشلل الرعاش الذي يصيب كل مكونات المؤسسات السياسية في السودان.. من خلال كتاب أستاذنا إدريس أقف لاتساءل عن التراكم الموضوعي الذي انشأ الحزب الاتحادي الديمقراطي؟ هل من المعقول كل هذا الحزب وبتأثيره الغزير السالب في الحياة السياسية السودانية تشكل فقط وتغذي من شعار الوحدة مع مصر؟ تبحث عن دور هذا الحزب في البناء فتجده غائبا لتجده حاضرا في المعاكسات والتناقضات والتمدد في قارعة الطريق العام الذي يقطع سير العملية السياسية الديمقراطيه، ثم تلتفت فتجده أكبر مورد للكادر البشري الخادم للأنظمة العسكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة منذ أحمد خير المحامي إلى الشريف زين العابدين.. هذه الحالة البئيسة من الزحف برأسين في المسرح
 السياسي تجدها شاخصة في تناقض مكونات الحزب الذي تنقلب مايو على نصفه فيقف النصف الآخر ليساند مايو ببرقيات التأييد وحشد المؤيدين في صفوف التهنئة بمقتله الجزيرة أبا الدامعة، والتي كان يقف نصف الحزب الاتحادي ذات نفسه في وسط تلك المقتلة كمستهدف أصيل بالموت والفناء في شخص الشريف حسين، اتساءل كيف يجتمع جسد المراغنة وآل الشريف حسين في حزب واحد، وهم عمليا لم يتفقوا على شئ واحد مطلقا.. فعندما ساند مولانا الميرغني مايو عارضها الشريف حسين ببسالة وشجاعة مشهودة وعندما عارض المراغنة الإنقاذ في أولها هادنها الشريف زين العابدين ثم وضع رأسه في كتفها وطلب الاندماج معها في شاعرية نواسية مغيتة وبالطبع لكل حقه ومطلق حريته في ما يشاء ولكن يبقى السؤال عاريا كيف خرج هذان الجسمان من مشكاة واحدة؟ بل ويا سبحان الله فعندما قرر الشقيقان الكبيران في الحزب آل الميرغني وآل الشريف الاتفاق على مهادنة الإنقاذ، أختار كل واحد منهم أن يقبع في جيب مختلف عن الجيب الذي يدخل فيه غريمه في جلباب الإنقاذ العريض..

بالطبع ليس الحزب الاتحادي وحده هو مثار التأمل والاستنباط والاتعاظ بل أنك تقف مشدوها فاغر الفاه أمام تجربة الشيوعيين في الانقلابات لتتساءل أين كفاءة الحزب النوعي الذي يغامر بعرض بضاعته الفكرية المحاطة بالحساسية ودقة الموقف هكذا مكشوفة يحملها المرحوم جعفر نميري فوق رأسه غير مغطاة معرضة لكل جراثيم التطفل وعدم الرعاية حتى أن الرجل يقف متباهيا بمناصرة الحزب الشيوعي له فيقف ليتغنى أنهم انجزوا ثورة البرجوازية (الكبيرة) وليست الكبرى؟ كيف ينهض حزب عريض الادعاء بالمعرفة والعلمية ثم يدخل رأسه في جحر ضب خرب، حتى إذا ما امتلأ وجهه بما لا يحب طفق يبحث عن تنظيفه فيفقأ عينيه في حركة التصحيح الشهيرة تلك المحرقة التي مرت ذكراها قبل يومين وهي تحمل في أمعائها كثير من رائحة النار والدم والدموع، فتقف لتتساءل هل وراء هذا الحزب عقول تفكر وتدبر أم محض قلوب وعاطفة يملأها الغيظ للاستجابة العمياء لرد الفعل الأهوج.. نعم إذا كان الشيخ حسن الترابي قد نجح في اخراج الشيوعيين من البرلمان مستغلا حادثة معهد التربية فإن الشيوعيين في سبيل ردة فعلهم العاطفية أخرجوا أنفسهم من الحياة السياسية كلية بل من التاريخ والمستقبل.. فتأمل عزيزي قلة وانعدام الأفق.

الكاتب : حسن إسماعيل
هذا قولي – صحيفة التيار

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *