عثمان ميرغني : (اللهم.. لا شماتة!!)

زرنا الفنان محمد وردي في مقرّ إقامته المؤقت في مدينة بحري بعد عودته من المهجر الطويل.. جاءت سيرة (أكتوبر) التي غنى لها وردي أجمل (التُحف!!)، فحكى لنا وردي هذه القصة..
قال: إنه جاء ليشتري صحيفة من (كشك الجرائد)، وتصادف أن كان اليوم الذكرى السنوية لثورة أكتوبر.. فقال له صاحب كشك الجرائد هازئاً وشامتاً: (والله يا أستاذ أكتوبر دي ما بقي منها إلا خشيمك دا)- أي لم يبق من أكتوبر إلا أغنياتك.
تلك الحكاية كانت في ريعان عهد أكتوبر اليانع قبل أن تنقض عليه المارشات العسكرية في مايو 1969..
الآن مرت على أكتوبر (48) عاماً كاملة.. نصف قرن إلا قليلاً دارت فيه كأس العهود السياسية على كل الأفواه.. ليس من حزب سياسي إلا حكم السودان منفرداً أو مجتمعاً مع غيره.. وبات الشعب السوداني ينظر بتأمل حزين إلى كل الشعارات التي سطر بها أول (ربيع عربي) في تأريخ الأمة العربية.
سبب ضياع ثورة أكتوبر ومبادئها.. أن الشعب السوداني لم يكن ذكياً بما يكفي ليعرف أين تكمن العلة.. العلة لم تكن في عبود ونظامه.. فهم مجرد ضباط مخلصين لوطنهم استدعاهم رئيس الوزراء بصورة رسمية لـ (إنقاذ) البلاد- حسب تعبيره.. ونفذوا المطلوب منهم بامتياز.. في ست سنوات حققوا من الإنجازات ما لم يحققه أي نظام حكَم السودان منذ بعانخي إلى هذه الحكومة.
الشعب ظنّ أن الثورة تمنحه حق السيادة على القرار الوطني، والمشاركة في تقرير المصير.. أو هكذا تقول أدبيات أي حكم ديموقراطي.. لكن الشعب المسكين لم يدرِ أن الديمقراطية ليست صندوق انتخابات.. تلك مجرد (إجراءات).. بل الديمقراطية سلوك ممتد من أدنى قدم الدولة إلى أعلى قمة رأسها..
فجاء الشعب بأحزاب (بابوية) ليس في أسوارها أية صناديق.. زعاماتها خالدة مخلدة فيها أبداً طالما في الجسد روح تنبض..
وبعد حوالى أربع سنوات.. لم يفاجأ الشعب السوداني بانقلاب جعفر النميري.. لكنه فوجئ- لحد الحسرة- بانقلاب قادته (يا دوبك!!) ترقوا إلى رتبة (الرائد) قبل أسبوع واحد من تنفيذ الانقلاب- أي أنهم خططوا له، وأكملوا كل استعدادتهم وهم برتبة (نقيب).. ثلاثة دبابير فقط لا غير.
في أول يوم صدرت فيه الصحف بعد الانقلاب كتب الأستاذ بشير محمد سعيد رئيس تحرير صحيفة (الأيام)- آنذاك- افتتاحية في الصفحة الأولى عنوانها (اللهم لا شماتة).. كان ينطق بلسان كل الشعب السوداني، الذي ظلّ يتفرج على مسرح العبث في (الجمعية التأسيسية).. والتلاسن والتغابن السياسي.. والهرج والمرج، الذي غاصت فيه البلاد، بعد أن كانت تضج بالتنمية والمشروعات، التي لو استمر هديرها إلى اليوم لكنا فرنسا أفريقيا.. أو أسبانيا العرب..
وذهبت (مايو) مع الريح.. وأقبل أبريل.. إعادة لـ (الربيع العربي) السوداني.. في نسخة جديدة حيرت العالم العربي في سلاستها وصفائها من الدماء.. وجاء الحكم الحزبي مرة أخرى، وكأنه لم يلبث في القبر إلا ساعة أو بعض ساعة.. بدأ من حيث انتهى.. فانتهى من حيث بدأ

عثمان ميرغني
حديث المدينة – صحيفة التيار
hadeeth.almadina@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *