مصطفى أبو العزائم : السياسي الغبي .. !

السياسي الغبي هو ذلك الذي لا يستثمر خطأ خصمه حتى وإن كان الخطأ غير مقصود، وهو الذي يعجز عن تحقيق هدف في مرمى خصمه، خاصة وأن المباراة بينهما غير محددة بشوط أو زمن محدد.. لكن هناك السياسي الأغبى، وهو الذي لا يستطيع أن يحول هدف خصمه إلى حالة تسلل معلنة، ولا يتمكن من إحراز هدف تعادل ثم يلحقه بهدف فوز في مرمى خصمه الذي بدأ الهجوم..

السياسة لا تغيب عن حياتنا البتة، لأنها تبدأ معنا يومنا منذ رشفة شاي الصباح الأولى، فالشاي سياسة والسكر واللبن وعلى ذلك فقس لحظة خروجك ومن معك إلى أعمالهم أو مدارسهم أو لممارسة أي نشاط آخر، فكل شيء مرتبط بسياسات محددة، اقتصادية، تعليمية، تربوية، تنموية، اجتماعية وغير ذلك، فالسياسة اليوم لم تعد هي تلك الكلمات الدعائية الجوفاء ترويجاً لفكر أو حزب أو طائفة أو جماعة أو شخص، السياسة حزمة متكاملة من الخطط لبلوغ أهداف محددة تتسق مع النهج النظري لفكرة ما تبين موقع ومكانة الحزب، ولا يمكن – مثلاً – أن يتبنى حزب ماركسي سياسة التحرير الاقتصادي المطلق كما لا يعقل أن يتبنى حزب ليبرالي أو قائم على قاعدة فكرية دينية، لا يعقل أن يتبنى اتجاهاً لتأميم القطاع الخاص، بل نراه يعمل في غير ذلك الاتجاه، بأن يتبنى سياسة الخصخصة.

مؤسسات نظام الحكم هي جزء من السياسة لأنها تعبر عن أفكار الجماعة الحاكمة، وهي تغذي تلك المؤسسات بكوادرها التي تحرس فكرها، وتطبق سياساتها، وإلا كان النظام كله غبياً.. وإذا كان كذلك فما أسهل على خصومه تحريك الأرض تحت قدميه، وزعزعته، ثم زلزلته وإسقاطه من بعد ذلك.

الضرب على مؤسسات الدولة في ظل نظام حكم يتبنى فكرة أو عقيدة محددة، هو ضرب (في المليان) يستهدف النظام بأكمله، إما لإضعافه، أو للإطاحة به، وأخطر أنواع الاستهداف هو ذلك الذي يستهدف المؤسسات التي نشأت في كنف الدولة، وسقاها الشعب من دمه ودموعه، ورعاها حتى أينعت والقت بظلالها في كل الاتجاهات.

أخطر أنواع الاستهداف هو ما يعمل على تقويض مؤسسات الدولة الكبرى، مثل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية من خلال القلاقل وزعزعة الأمن وافتعال الأزمات العنصرية والجهوية، لأن هذا يعني إضعاف تلك المؤسسات، ويؤدي إلى أخطار لا يمكن التحكم في نتائجها على مستوى الوطن كله.. ومثل ذلك استهداف المؤسسات الخدمية التي تقدم عملاً يتصل بقطاع كبير من قطاعات الشعب وفئات تمثل كيانات مهنية أو حرفية مهمة، أو شرائح اجتماعية مؤثرة، مثل الطلاب والشباب.

السياسيون الخصوم استغلوا إخلاء داخليات البركس لصالح أهدافهم السياسية في مواجهة نظام الحكم، وقام أحد قادة الأحزاب الكبيرة بتقديم شكوى لإحدى المنظمات الأممية ضد بلاده اتهم حكومتها بالتمييز العنصري عندما قامت بإخلاء مباني أنشئت أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأصبحت آيلة للسقوط، وتم تتبيعها للصندوق القومى لرعاية الطلاب، الذي استشعر مسؤوليته تجاه كل أبناء وبنات السودان، وقام بإخلاء هذه الداخليات وتوزيع ساكناتها من الطالبات على داخليات أخرى قريبة من مقار دراستهن، لكن الساسة – هداهم الله – أرادوا أن يشعلوا النار، وحملوا في أيديهم ما يمكن أن نسميه مشاعل العنصرية البغيضة ورموا بها في (قش) الأزمة.

الصندوق القومي لرعاية الطلاب تعامل بحكمة يقتضيها إحساس القائمين على الأمر فيه بمسؤولياتهم تجاه شريحة الطلاب في بلادنا، ولم ينفعل أمينه العام ولا أي من قياداته انفعالاً ضاراً بواقع الداخليات والمدن الجامعية، أبانوا الحقائق وأوضحوا المواقف، وأحرزوا هدفاً رائعاً في مرمى الخصم السياسي نتج عن خطأ فادح ارتكبه مهاجمو الطرف الآخر.

اللهم إنا نسألك أن تسدد خطانا من أجل مرضاتك وأن تعيننا على إرضائك، وأن تتقبل منا صالح الأعمال وأن تخرج بلادنا من وهدتها وأن تهدي أولي الأمر فينا إلى سواء السبيل.

لك الحمد .. ولك الشكر.. لا إله إلا أنت سبحانك يا رب العالمين..

آمين ..

بعد ومسافة – آخر لحظة
annashir@akhirlahza.sd

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *