كان يشرب منها الحاكم الإنجليزي: أم روابة.. البحث عن جرعة ماء في خزانات الأسمنت

لم يرغب مُحدثي في خوض نقاش صريح عن معاناتهم مع المياه، فأشار تلمحياً إلى أن سكان مدينة أم روابة، كانوا في حقبة سابقة يعانون أشد المعاناة من انقطاعها المستمر، تجاهل (س) للوضع الحالي سببه المنصب الذي يتبوأه حالياً ضمن تشكيل حكومة الولاية التي ظلت تُكثر من الحديث عن النهضة والنفير والتعمير دون أن ترى مئات القرى والمدن بالولاية أثراً للتعمير أو بوادر للنهضة، هذا ما قاله أحد الذين حضروا دفاع (س) المستميت عن تحسن الخدمات التي تقدم لإنسان المدينة !!

ما بين الدفاع الرسمي عن تطوير وتحسين خدمات مدينة أم روابة وما بين المشاهد اليومية لواقع الحال الذي لا يمكن تلوينه وتلطيفه بالتنظير والتحليل العقيم تظل الحقيقة لا تحتاج إلى تزكية من أحد، وهي تؤكد أن أم روابة لم تعد تلك المدينة التي رسخ جمالها ونقاء مياهها في المخيلة الشعبية منذ حقبة الاستعمار.

# الخزانات الجوفية

لم تذكر أم روابة في مجلس وإلا أثنى الحاضرون على جودة ونقاء مياه الشرب فيها، حتى الذين لم تطأ أقدامهم رمالها الذهبية، يمكنهم الحديث عنها بالشيء من التفصيل بناء على حكايات وروايات شفاهية التقطوها من أفواه غيرهم، فازدادت لديهم رغبات أكيدة في الوقوف على مكامن ذلك البهاء الذي شغل الناس منذ القديم، حتى أصبح البعض يصفها بأنها أجمل مدن السودان من خلال معطيات محددة منها نقاء مياهها والتي تشير روايات عديدة إلى أن حاكم عام السودان في حقبة الاستعمار كان لا يشرب إلا منها، ولكن هذا كله أصبح ذكرى تُحلى بها مجالس الأنس فقط، لأن أم روابة اليوم لا تفتقر إلى المياه النقية فحسب، وإنما تنعدم فيها المياه بصورة عامة، حتى تلك التي كانت توصف بأنها مالحة في سابق الأيام ولا تشرب منها إلا الحيوانات، أما البشر فلا يقربوها، اليوم نضب إناؤها بعد تزايد الإقبال عليها، فصار العطش السمة الدائمة لمدينة سارت بسمعة مياهها الركبان، فلم يجد سكانها بداً غير العودة إلى حيلة لم يمارسوها في السابق، فأصبح مصيرهم حفر الخزانات الجوفية بمساحات مختلفة داخل المنازل لحفظ المياه، وهذه الحيلة على بدائيتها لم تحل معضلة العطش حتى حينه.

# الحل بالمهدئات

ويشير سكان عدد من أحياء أم روابة إلى أنهم لم يعتادوا ندرة المياه إلا في السنوات القليلة الماضية، حيث كانت المياه قبل سنوات تتدفق من الصنابير دون موتور، ولكنها بسبب الأعطاب التي أصابت شبكات المياه والتوسع في الأحياء أطلت قضية العطش، مما جعل السكان يلجأون لفكرة حفر الخزانات الأسمنتية في المنازل، دون أن يتمكنوا من القضاء على العطش، وأوضحوا أن القضية في طريقها للاستفحال والخروج من السيطرة رغم وجود العشرات من مصادر المياه الموسمية التي تسببت في تهديد المدينة بالغرق أكثر من مرة في فصل الخريف مثل خور أبو حبل الذي يعد من أهم الأنهر وأطولها بولاية شمال كردفان، ولكن لم تتم الاستفادة من مياهه قط، ولم تُبتدع حلول أخرى لحل المشكلة التي أصبحت تؤرق مضاجع مواطنو مدينة لا أول مرة في تاريخها الذي يعود لأكثر من قرن يقوم سكانها بشراء المياه بواسطة التناكر.

# أزمة المياه وإصحاح البيئة وجهان للعملة

رغم عراقة المدينة التي يرجع تاريخها لحقبة التركية بحسب روايات ومصادر تاريخية، لكن سكانها يعيشون في انصهار تام، فيمكن للزائر الوصول لأي شخص مجرد ذكر اسمه، ولهذا فضل العشرات من الذين تحدثوا عن تدهور الخدمات بالمدينة حجب أسمائهم، ولكنهم اتفقوا على تدني الخدمات كافة بالمدينة، فبجانب مصاعب المياه، تعاني أم روابة من تدنٍّ مريع في خدمات أصحاح البيئة، ومشاهد جبال النفايات المنتشرة على طول الطرقات وداخل الأسواق التي لازال الكثير منها مشيد من المواد المحلية مثل جوالات الخيش والقصب، ولم ترتق بعد إلى مستوى يليق بسمعة أم روابة التي من أوائل المدن التي أعاد تخطيطها الإنجليز.

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *