حيدر المكاشفي : تلك الحاويات وتكتيك ( أعمل رايح )

هل صحيح أن السواد الأعظم من الشعب السوداني سريع النسيان وصاحب ذاكرة مثقوبة سريعا ما تتساقط عنها الأحداث،وأن كثيرا من السياسيين وغيرهم من التنفيذيين،يرهنون أفعالهم وأقوالهم على هذه الذاكرة الخربة ويلعبون عليها (بلوتيكا)…يبدو أن ذلك صحيح أو فلأقل بالنسبة لي شخصيا على الأقل،والشاهد هو نسياني لحادثة حاويات المخدرات التي هز خبر ضبطها البلاد من أقصاها الى أقصاها، لولا أن ذكرني به البروف حسن مكي في حواره مع الغراء (الانتباهة) المنشور أمس والذي قال فيه عنها ( أخطر قضية الان هي الحبوب المخدرة التي لم تقدم للمحاكمة)،ويذهب ظني الى أن غالب الناس قد نسوه مثلي رغم الضجة والهزة التي أحدثها في حينه،ثم بدأ في التلاشي والاضمحلال رويدا رويدا الى أن سقط من الذاكرة تماما، ولم يعد أحد يذكره رغم جسامة الحادث وعظم الدمار الذي كان سيلحقه بالبلاد ودرجة الانفعال والتفاعل الذي حظي به،فقبل نحو ستة أشهر كانت جنبات البلاد قد ارتجت لخبر أكبر ضبطية للمخدرات بميناء بورتسودان وصفتها الشرطة بالأكبر على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط، وأكد بيان صادر عن المكتب الصحفي للشرطة أن معلومات توافرت لديها تفيد بأن هنالك عدداً من الحاويات في طريقها لميناء بورتسودان محملة ببذرة علف كغطاء لكميات مهولة من الحبوب المخدرة، وتم التأكد من وجود تلك الحاويات بالميناء، ووضعت تحت مراقبة إدارة مكافحة المخدرات، وبعد مراقبة ورصد وتعاون بين سلطات جمارك ولاية البحر الأحمر والإدارة العامة لمكافحة المخدرات تم العثور على «46» كيساً كبيراً زنة «50» كيلو جراماً من الحبوب المخدرة «كبتاجون»، وهو من المخدرات التخليقية الخطرة، حيث بلغت جملة الحبوب المضبوطة «13» مليوناً و«581» ألفاً و«210»، وتقدر قيمتها ب «338» مليار جنيه. وتم فتح بلاغ تحت المادة «15أ» مؤثرات عقلية ،ثم أعلنت الشرطة لاحقا عن القائها القبض على عدد من المتهمين…كان ذلك قبل نحو ستة أشهر قد تزيد ولا تنقص و…و (بس خلاص) فمن يومها لم يعد لهذه الجريمة الخطيرة أي ذكر وأصبحت في عداد ما يصفه السودانيون ب (المغطغط وفاضي وخمج)…

من ابداعات الخيال الشعبي في وصف مثل هذا التناسي والتجاهل الذي لقيته هذه القضية الخطيرة، أنه أشاع في الآونة الأخيرة عبارة ( أعمل رايح و عامل رايح أو أعمل نايم و عامل نايم ) وتعني أنَّ يتعمَّد الشخص نسيان أو تجاهل موضوع ما رغبة منهُ في عدم إثارته لغرضٍ في نفسهِ،فرغم مرور ستة أشهر على هذا الحدث المزلزل واعلان السلطات عن القائها القبض على عدد من المتهمين،الا أن أحدا لم يعلم حتى الان من هم هؤلاء المتهمين الساعين لتدمير البلاد بجعل شعبها وخصوصا شبابها أمة من الحشاشين والمساطيل، بل لم يسمع أحد بمحكمة منعقدة بخصوصهم،ولعل هذا ما يمنحنا مبرر أن نقول فيمن تقع هذه القضية ضمن اختصاصهم أنهم (عملوا نايمين ورايحين) شأنهم شأن من يتسور عليه منزله مجموعة من اللصوص مدججين بالسلاح ويتطاير الشرر من عيونه وليس لديه ما يفعله ازاء هؤلاء المجرمين الأشداء الغلاظ أصحاب الشدة والبأس سوى أن (يعمل نايم)…

بشفافية – صحيفة التغيير
حيدر المكاشفي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *