عبد الباقي الظافر : الردة الدستورية..!!

في ذاك المساء كان كرم الله عباس، والي القضارف، يطرق باب الشيخ علي عثمان، بناءً على موعد مسبق.. وقتها بلغ الخلاف بين الوالي ووزير المالية الاتحادي درجة التنابز بالألقاب.. الخرطوم اعتبرت المزارع كرم الله، تطاول على الذات المركزية حينما قال الحساب ولد.. مازال الشيخ يفرض الخيارات الصعبة والحلول المُرة على الوالي المتتخب.. اقترح شيخ علي أن يفوض كرم الله نائبه، ويسافر لخارج السودان مستشفيا وألا يعود إلا بإشارة من الخرطوم.. هنا غضب كرم الله، وقال اعتقد أنكم تريدون استقالتي.. على ورقة بيضاء وبقلم حبر جاف سطر كرم الله استقالته.. وصل الخبر إلى وكالة سونا الرسمية حتى قبل أن يغادر المستقيل منزل النائب الأول.
نشطت في الآونة الأخيرة مجموعات تنادي بتعيين ولاة الولايات عبر مراسيم جمهورية عوضا عن انتخابهم مباشرة.. المنطق الرجعي يعتقد أن الانتخابات تعزز التنازع القبلي.. التوصية وصلت مرحلة أن يتم تبنيها رسميا عبر المؤتمر العام للحزب الحاكم.. اغلب الظن أن الرغبة في عودة الوصاية على الولايات تزامنت مع المنافسة القوية على الفوز بترشيح الحزب الحاكم لمنصب الوالي.. الديمقراطية الحقيقية والتدافع جعل مجموعات قابضة في المركز تخشى أن ترتفع الموجة إلى أعلى، ويحدث تنافس حقيقي على كل المستويات.
بداية هل الانتخابات توقد الشرارة القبلية؟.. صحيح أن التنافس في ظل أي شمولية يبحث عن مظلات يستظل بظلها.. تغييب الديمقراطية واستضعاف الأحزاب جعل الناس تعود إلى منابع الانتماء الأولى.. الحل لا يكمن في نزع حق الناس في اختيار ولاتهم بل في تعزيز المزيد من ديمقراطية المجتمع.. إذا بات حزب الأمة منافسا قويا على منصب الوالي في جنوب كردفان، لن يكون الاستضفاف قبليا بل سيتم على أسس حزبية.
تجربة تعيين الولاة مارستها الحكومة في الفترة الماضية حتى بات الخلل الدستوري يشمل ثلثي ولايات السودان.. في ولاية شرق دارفور تم تعيين عبد الحميد كاشا.. بعد أشهر معلومات، فر الوالي المعين بجلده بسبب التصنيف القبلي لحكومته.. ذات المصير واجه خليفة كاشا في جنوب دارفور حتى فرضت على الولاية الوصاية العسكرية وفرض على عاصمتها نيالا حظر التجول.. انتخاب والي في البحر الأحمر حقق نهضة تنموية وقلل من الإحساس بأن الولاية يحكمها ولاة مستوردون من الخرطوم.. ولاية شمال دارفور هي الأكثر استقرارا بين ولايات دارفور ويحكمها والٍ منتخب.
في تقديري أن تعيين الولاة كلمة حق أريد بها باطل.. هنالك مجموعات تريد أن تصنع مركز قوة اتحادي يهيمن على كامل الدولة.. هذه النزعة ضد التطور الطبيعي الذي يجعل الاختيار المباشر للحكام هو الأصل وما عداه استثناء.. إن أفلحت المجموعات القابضة في مسعاها فسيكون هذا باب جديد للنزاع والتمرد على وجه المركز.
بصراحة أفرزت التجربة السابقة في الحكم الإقليمي بعض الملاحظات.. من الأنسب خلق دور لمجلس الولايات في إقالة الولاة.. مثلا إذا رفع مجلس الوزراء مجتمعا توصية لمجلس الولايات بعزل والٍ بسبب عدم التعاون مع الحكومة الاتحادية.. هنا يجوز للمجلس الموقر وبأغلبية الثلثين سحب البساط من الوالي المنتخب.. حتى على مستوى المجلس التشريعي تحتاج الأغلبية التي يمكنها الإطاحة بالوالي أن تنخفض من ثلاثة أرباع إلى أغلبية الثلثين.. هذه آليات تمكن الحكومة الاتحادية من حفظ التوازن في الولايات.

تراسيم – عبدالباقي الظافر
صحيفة التيار

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *