خالد حسن كسلا : عبد الحي يوسف ورفض انتخاب البشير

وغريب غريب جداً أن يكون الدكتور عبد الحي يوسف ضمن الذين لا يريدون انتخاب الرئيس البشير لرئاسة التنظيم لترشيحه لرئاسة الجمهورية. وإذا كان دكتور عبد الحي محسوباً على التيار السلفي العريض، فهو بهذا التصريح يكون قد جانب المنهج السلفي في السياسة الشرعية، إذ أن الحاكم ما دام استقر له الأمر وهو بصحة جيدة، فإن استمراره في السلطة يبقى أفضل للبلاد والعباد، لأن ذلك يوفر كثيراً من تداعيات تغييره، فالحكمة الإسلامية في هذا الأمر هو حماية الأمن والاستقرار. والحاكم لا يعمل في كل المجالات لوحده بل له وزراء وولاة، وإذا تطلب الأمر تغييرهم فهذا ممكن، وهذا ليس بذي تكلفة على صعيد الاستقرار مثل تغيير الحاكم.
وإذا كان الدكتور عبد الحي يوسف يستشهد أو يسترشد بمقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي «هممت ألا أدع والياً أكثر من أربع سنوات، فإن كان عادلاً ملّه الناس، وإن كان جائراً يكفيهم من جوره أربع سنوات».. فهذه المقولة إذا صحت عن سيدنا عمر الفاروق، لا علاقة لها بموضوع استيفاء الحاكم. فالوالي والوزير يختلفان عن الحاكم طبعاً، وسيدنا عمر نفسه ومن بعده سيدنا عثمان وسيدنا علي وسيدنا معاوية معلوم كيف انتهت فترات حكمهم. فقبل استشهاد الثلاثة لم يطالب الناس بتغييرهم، أما ما حدث مع سيدنا عثمان رضي الله عنه فقد كان من باب الفتنة والتآمر على دولة المسلمين. والديمقراطية نفسها لا تلزم في مبادئها وقيمها الحاكم بفترة محدودة، بل إن من الديمقراطية أن يختار الناس استمرار من يريدون في الحكم حتى ولو لفترة نصف قرن، فالديمقراطية في النهاية هي رأي الأغلبية، وليس رأي الأقلية التي من بينها من يقولون إن طوال المدة للحاكم سبب للملل ومدعاة لطول السقام. إن الملل وطول السقام الآن لم يصب الأغلببية وإنما أصاب الأقلية. ويبقى الأنسب للعلماء والدعاة أن ينشروا الثقافة الشرعية في العمل السياسي حتى لا يكون في وعي الجماهير أن قضية تغيير الحاكم كل أربعة أعوام هي القضية المحورية المقدمة على قضايا الدعوة والاستقرار الأمني والتنمية.
وكان يمكن أن يقول الدكتور عبد الحي إن الرئيس «الحاكم» الذي تقول المؤشرات إنه محبوب للأغلبية يستمر ما دام بصحة وعافية وقادراً على العطاء، لكن أن يستحدث منصب رئيس وزراء، على الطريقة المصرية أو أن يفوّض الوزراء وأن يراقبوا وأن يتم تغييرهم كل أربعة أعوام. لكن الرئيس رمز السيادة الوطنية فإن تغييره لا يعني شيئاً بالنسبة لأولويات البلاد والعباد. وإذا كان حتى الوالي منتخباً وهذا خطأ كبير طبعاً ــ فما الداعي لتغيير الحاكم بعد ذلك؟!. أنا هنا أتناول موضوع تغيير الحاكم «بسبب الملل والمدعاة لطول السقام» كما يقول دكتور عبد الحي من زاوية تأصيلية، من زاوية السياسة الشرعية. وذلك لأن الشيخ عبد الحي من العلماء والدعاة المحسوبين على التيار السلفي الأعرض. وبالتالي مفترض أن يكون من الذين يتمسكون بالبيعة. إن فقه الحكم في الإسلام تتقدم سطوره مسألة البيعة و «من لم تكن في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». وما معنى أن تتغير البيعة كل أربعة أو ثمانية أعوام بتغيير حاكم في تمام الصحة والعافية؟!
هذا التعقيب لا يصلح لأي شخص آخر لا ينتسب للتيار الأعرض لأهل المنهج السلفي، لأنه منطلق من منطلق سلفي. وبالفعل كان غريباً جداً أن يقدم مثل الدكتور عبد الحي يوسف العالم والداعية الموقر، يقدم الملل والمدعاة لطول السقام، سبباً لضرورة تغيير حاكم في أتم الصحة والعافية.
من يطالب بالتغيير في زماننا هذا هم من يريدون أن يستأثروا بالحكم ومن يريدون الاستفادة من حاكم آخر، لكن العلماء والدعاة فلا مصلحة لهم في ذلك بل قد يتضررون، أو لم يتضرروا بعد«6» أبريل 1985م حينما تراجع الحكام الجدد عن تطبيق الشريعة الإسلامية؟! إن الحسابات الشرعية للحكم تختلف عن حسابات من يشعرون بالملل وطول السقام.

الكاتب : خالد حسن كسلا
الحال الآن – صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *