جعفر عباس : شركة الطيران التي قصفت اللغة

إنشاء قناة فضائية أمر في منتهى السهولة: تستأجر شقة صغيرة بها غرفتان وصالون/ مجلس، ويكون الأخير هو الستوديو، والغرفتان مكتبان للمدير وسكرتيرته، (سكرتيرة بتاء التأنيث)، ثم تحجز مقطعا فضائيا، ثم تحصل على كفيل يدفع قيمة المقطع الفضائي، وبهذا تكون العصمة في يده، وبعدها تتصل بعدد من مثقفي الصالونات، وتبلغهم صراحة أنك لا تستطيع أن تدفع لهم مكافآت نظير ظهورهم في برامجك، وستفاجأ بأن معظمهم على استعداد لأن يدفعوا لك المبلغ الذي تطلبه كي يضمنوا الظهور على شاشات قناتك، متعللين بأن «كل شيء يهون في سبيل تنوير الرأي العام، وخدمة قضايا الأمة»، وتستعين بفتيات «اقتصاديات» من النوع الذي يستخدم الملابس البليغة ذات القدرة على «التعبير» بما قلّ ودلّ، ومن ثم يكتفي بربع متر من القماش من باب ضغط المنصرفات، وضغط أشياء أخرى (يقال ان المطربة XXXXX قررت ان تتحجب فلبست «شورت» يصل إلى الركبة!!)، ولا تحمل همّ رواتب أولئك الفتيات، لأن غيرك سيدفعها عن طيب خاطر!!!
أجد متعة فائقة في قراءة اللافتات واللوحات التي تحمل أسماء المتاجر والإعلانات، طرافة معظمها، وذكرت في مقالات سابقة عن محل لبيع ألواح الثلج في الخرطوم، يحمل اسم «ثلاجة البشرية»، وعلى صندوق ضخم جاءت عبارة: هوناء يوباع الثلج البارد، ولم يكن هناك طائل من تنبه صاحب المحل بأن اللافتة قد تنفِّر الزبائن منه، لأن «ثلاجة البشرية» اسم يليق فقط بالمشرحة في المستشفيات، وأن كونه يعلن عن أنه يبيع الثلج البارد، يعني ضمنا أن الآخرين يبيعون الثلج الحار/ الساخن/ المغلي.
في السنوات الأخيرة دخلت سوق النقل الجوي العربي شركات تتولى نقل الركاب بسعر الكلفة، وقرأت مؤخرا إعلانا ترويجيا لإحدى تلك الشركات، و«شروط السفر» التي أسمتها «وثيقة»، مكتوبة بلغة ركيكة، ومليئة بالأخطاء النحوية والإملائية: ما معنى «الوزن الزائد لكل كيلو»؟ الكيلو نفسه «وزن» فكيف يكون الوزن المجرد زائدا أو ناقصا؟ طبعا المقصود «سعر كيلو الأمتعة الزائد عن الحد المسموح به»، و«عليك أن تتقدم للتذاكر المتاحة عند زمن الدفع». أتقدم للتذاكر لطلب يدها؟ ثم هل من جهة على وجه البسيطة تستطيع بيع تذاكر غير «متاحة»؟ وهناك «الأطفال الرضيع»! هل نجح علم الاستنساخ في دمج عدة أطفال في رضيع واحد؟ وتتكلم الوثيقة عن «غير مطلوب أي تذاكر سفر..» وبعدها بسطر واحد تقول «تذاكر الأطفال هي نفس تذاكر الكبار».. يا مثبت العقول يا رب، وهناك بند يقول: الطعام والشراب لن يتم تقديمه «مجاننا».. بنونين!! و«ليس من حقك استرداد أي مبلغ تدفعه نظير السفر على طائراتها، (ما عد) أي «ما عدا» في حالة الوفاة والمرض.. وفي كلا الحالتين عليك إبراز شهادة طبية بذلك، يعني عليك فور وفاتك التوجه الى المستشفى للحصول على شهادة وفاة، ولن يكون ذلك بالأمر السهل، لأن الطبيب الشرعي سيتمسك باللوائح ويقول لك إنه ليس من حقك كـ «متوفى» أن تغادر الثلاجة أو القبر. ومن ميّزات السفر مع هذه الشركة انه يُسمح لكل مسافر اصطحاب رضيع واحد مجانا. وبالتالي إذا كنت والد توأم، يمكنك ان تسافر به مجانا بان تقول لأحد المسافرين: الله يخليك ممكن تتبنى وليدي هذا حتى نهاية الرحلة؟ ولو عندك طفل في الثالثة مثلا شجعه على أكل الحلويات حتى تتكسر أسنانه وتحمله على حجرك داخل الطائرة بعد ان تضع في فمه رضاعة اصطناعية تحوي عصيرا أو حليبا، وكي لا يفضحك أبو ثلاث سنوات ضع بضع قطرات من دواء سعال في زجاجة الرضاعة، وبذلك تضمن نومه وعدم انفضاح حالك!
بالله عليكم كيف يمكن لشركة لا تستطيع إدارة حوار مع عملائها أن تدير طائرات تنقل أولئك العملاء «مجاننا» أو نظير «مقابلن» نقدي؟

جعفر عباس

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *