الصادق الرزيقي : ورنّت الكلمات أمام المسجد الصغير ..!!

«أ»
> ترن في المسمع، حكايات ومرويات الأستاذ الكبير عبد المحمود نور الدائم الكرنكي، منذ سنوات طوال وهو يحكي عن حركة المسلمين السود في الولايات المتحدة الأمريكية منذ انطلاقتها في العام 1930 حين تأسست حركة أمة الإسلام (Nation of Islam ) ، وعالمهم العجيب الغريب وتمسكهم الصارم والخاطئ بالإسلام الذي غمسوه في معاناتهم ومأساتهم التاريخية، وهي مأساة الرق والاضطهاد والاستعباد الذي عانى منه السود لقرون طويلة منذ جلبهم وسرقتهم من وطن أجدادهم افريقيا، حتى تصوروا الإسلام أنه الدين الذي خص به الله تعالى السود من بين خلائقه، وأفرطوا في ذلك إلى درجة أنهم تصوروا الرسول «ص» داكن البشرة أسود اللون، وما صحابته إلا سود مثله، وكذلك الملائكة، وأعطوا الشيطان لون البِيض الذين استعبدوهم، كانت تلك الحكايات والمرويات عند النصف الثاني من عقد الثمانينيات في صالة تحرير صحيفة «ألوان» والكرنكي قادم للتو في إجازة قصيرة من غربته في الولايات المتحدة الأمريكية، شاباً طلق العبارة واللسان تتدفق وتجري كما النهر الهلوع المعلومات والأقاصيص والأفكار على لسانه وينثرها على بساط المسامع انئذ.. ويفتح أمامنا نافذة زادت من اهتمامنا بالاسلام والمسلمين في امريكا الشمالية والدنيا الجديدة..
> وربما تلك الحكايات هي التي كانت رفيقي ودليلي ومحفزي الاول في مدينة نيويورك وانا اقتفي اثار ما كان يرويه الكرنكي قبل سنوات، وازور الامكنة والساحات والميادين والحدائق والمساجد في الاحياء والضواحي التي يقطنها السود، في هارلم شمال مانهاتن وبروكلين أوعند جامعة نيويورك وفي الطرقات والشوارع والازقة والبنايات القديمة والصالات والسجون القاسية، متتبعاً نبض تلك الحركة الاسلامية السوداء وما آلت اليه ومعالمها واسرارها وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية على المسلمين الأمريكيين السود.
> ولم يخطر ببالي.. أن ذلك النبض سيعود بكل قوته وعنفوانه، وانا في هذا المكان المدهش عند «102 غرب شارع 116 في هارلم بنيويورك» امام بناية متوسطة الطول يتجمع حول مدخلها بعض الشباب السود بلحاهم الطويلة وملامحهم الصارمة خاصة «علي» الذي توسطت جبهته سيما صلاة من اثر السجود، امام لافتة خضراء كتب عليها ( Masjed Malcolm Shabazz) وألحقت بمسجد مالكوم شاباز مدرسة ( Clara Mohammed school) ..رنت كلمات الكرنكي وجاءت تمشي متعجلة كأنها تساق إلى جنان..
«ب»
> ورادفت الذاكرة كتاباً قرأته مطلع التسعينيات خارج البلاد، ترجمته عن النص الأصلي المغربية ليلي ابوزيد عندما عثرت عليه صدفة مغبراً في مكتبة جامعة أمريكية وهي تعد رسالتها للدكتوراه عن تاريخ السود في أمريكا، والكتاب هو السيرة الذاتية لمالكوم إكس أحد أكبر قادة المسلمين السود في أمريكا، صدر قبل أشهر قليلة من اغتياله العام 1965م وقام بإعداد هذا الكتاب الروائي الذائع الصيت الامريكي الافريقي الاصل «إليكس هيلي» صاحب رواية الجذور الشهيرة.. وقد سجل أليكس هيلي سيرة مالكوم كما رواها له على لسانه وكما حكاها بنفس إيقاعها وصخبها وتقلباتها وروحانياتها وصدقها وغربتها، ثم كتب الفصل الاخير المتعلق بعملية اغتيال مالكوم في جامعة نيويورك على يد شباب سود يتبعون لحركة أمة الإسلام التي انسلخ عنها مالكوم قبل وفاته بحجة أنها لا تمثل الإسلام الصحيح الذي وجده عند رحلته للحج وزيارته لمصر والسودان والحجاز، ولقائه بالملك فيصل وشيخ الأزهر حسين مخلوف، والقيادات السياسية والدينية في السودان، وزعماء من العالم الإسلامي الفسيح الذين وجدهم في الحج. وعد ذلك الكتاب بأنه السيرة الذاتية الكلاسيكية الأمريكية، كما قال عنه حين صدوره المؤرخ الامريكي جون وارد الذي علق على ما ورد في ذاك الأوان في النيويورك تاميز بأن الكتاب «عمل لامع ومؤلم ومهم» ووصفته مجلة «ثيم» «انه واحد من أفضل عشرة كتب غير روائية واجب قراءتها».
> وسيرة وحياة مالكوم اكس مشهورة ومعلومة لا تحتاج إلى تفصيل هنا في هذه الكلمات المختصرات، وقد صدرت عديد الكتب وكتبت آلاف المقالات عنه وأخرجت هوليوود فلماً يحكي قصة حياته مستوحاة من كتابه مع اليكس هيلي، إلا أن هالة من الشعور الغريب تصيب المرء وهو يقف عند مدخل هذا المسجد الصغير في نيويورك..
«ت»
> يقبع في المدخل الضيق للمسجد في الطبقة السفلى للمبنى، رجل تجاوز الستين من العمر يرتدي سترة بنية اللون، له لحية بيضاء تخالطها شعيرات سوداء.. وعلى رأسه طاقية ألصقت برأسه، يرد التحية بلغة عربية متعثرة.. ثم يردد الحمد لله… ويواصل بلغته الإنجليزية الفصيحة وهو جاهز لرد الاسئلة والاستفسارات ويقوم بواجب الحراسة، ثم يدل القادمين إلى أماكن الوضوء ثم صالة المسجد، ويتطلب الوصول إلى مدرسة كلارا محمد إلى إذن مسبق وهي تقع في الطابق العلوي..
> يتكون المسجد الصغير من صالة متوسطة الحجم، مزينة الحوائط بصور للمسجد الحرام وصورة بإطار أنيق للمسجد الأقصى، ولوحات لآيات قرآنية، وقصاصات صحف موضوعة في إطارات زجاجية وأغلفة مجلات ذات صلة بالمسلمين السود في أمريكا، فرشت على أرضية المسجد عدة بساطات للصلاة تكفي لصفين أوثلاثة صفوف ويوجد مكان مخصص للنساء داخل المسجد لا يفصله عن صفوف الرجال إلا بضعة أقدام.
> الغريب.. أنه يلف المكان بهاءُ غريب رغم الضوء الخافت والستائر المسدلة الداكنة اللون في الجهة الامامية منه، وطليت الحوائط باللون الأخضر الغامق، رهبة لا تدري من أين تأتي تشعرك بعظمة الإسلام، عندما تحس أنه منذ الخمسينيات وهذا المكان يعج بقادة حركة أمة الإسلام والمسلمين السود من كل فج عميق في بلاد العم سام، حيث كانوا يؤدون الصلاة وينظمون الدروس ويتجادلون في فهم الإسلام وفقهه وعباداته وتعاليمه وآدابه.. ويختلفون في تفسير ما جاء به الرسول صلى الله عليه سلم، وكان مالكوم اكس يحاول تصحيح الفهم المغلوط للدين الحنيف، وبدأت منه عداوته مع أليجا محمد، ثم تبعه نجل أليجا محمد ثم لويس فرقان فيما بعد..
«ث»
> كانت هناك امرأة أمريكية سوداء تؤدي صلاة الظهر بخشوع غريب، ولما فرغت من صلاتها امتلأ وجهها بالبشر وهي تتضرع إلى الله عز وجل رافعة كفيها في رجاء، رأى الدكتور خالد التجاني علينا ومعنا الاخ بدر الدين عبد الحكم، أن نقرأ الفاتحة على روح مالكوم اكس ثم صلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً.. وكانت الأمريكية السمراء تنظر إلينا وتسمع تحاورنا باللغة العربية في عجب ورضا أن ترى هؤلاء القادمين من بلاد بعيدة يعرفون مالكوم شاباز ويقرأون الفاتحة عليه.. وقد سرها أن ترى مسلمين من أصقاع الدنيا في مسجدهم الصغير..
> في أعلى الطابق العلوي ألحقت المدرسة بالمسجد وتوجد لوحة إعلانية عليها إرشادات وإعلان حول البرامج ومناهج التدريس بالمدرسة التي تدرس الرياضيات والعلوم التكنلوجية وآداب اللغة الإنجليزية واللغة العربية، والدراسات الاجتماعية ودراسات اللغات الإسبانية والفرنسية بغرض الدعوة إلى الله، فالحي الذي تقع فيه المدرسة هو مركز تاريخي للأمريكيين السود، وقد تحول هذا الحي بفضل اعتناق أعداد كبيرة من السود للإسلام إلى حي متطهر من المخدرات والعصابات والإجرام وتجارة الجنس وكل أنواع الرذيلة، ولم يعد هارلم القديم، وقد اختاره الرئيس الامريكي الاسبق كلنتون مقراً لمكتبه بجانب تحول كثير من البنايات والعمارات القديمة ومراكز بيع الخمور والمخدرات في السابق إلى مراكز تجارية ومكاتب محاماة وشركات وبنوك وخدمات مختلفة..
> تعكس هيئة المسجد ورهبته ونظرة أهل هارلم له والمكانة الرفيعة التي يتعاملون بها معه ليس كمكان عبادة فقط كما رأينا، الأثر الكبير الذي خلفه هذا الرجل في المجرى العام لحركة الامريكيين السود سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، فبعضهم يراه النسخة الإسلامية الناصعة لمارتن لوثر كينج زعيم حركة الحقوق المدنية الذي عاصر مالكوم واغتيل هو كذلك وفي توقيت متقارب.. وكلا الرجلين ناضلا وكافحا من أجل الحقوق المدنية والدستورية والقانونية والاجتماعية للسود وحاولا صنع واقع أفضل والقفز فوق ركام التاريخ المتخم برزايا الرق والعبودية والدم المسفوح والقهر الذي عانت منه أجيال الامريكيين السود وآبائهم وأجدادهم.. لكنه في النهاية دفع الثمن.. سواء كان مسلماً أو مسيحياً..
> وتجتذب شخصية مالكوم اكس وستظل على مر السنوات والحقب، اهتمامات كبيرة، خاصة أن الشباب الذين ولدوا بعد وفاته بسنوات طويلة لا يزالون يستلهمون سيرته ويلوذون بها، ويكفي أن تقف في وسط شارع باسم مالكوم في وسط هارلم وتسأل عنه.. كأنه نسمة ربانية عبرت حوائط البنايات العالية في مانهاتن واستقرت في قلب نيويورك تشع ببهاء الإسلام في الدنيا الجديدة والعالم أجمع..

أما قبل – الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *