منصور الصويم : خروج الروح في رحلة الـ 10 دقائق

تناولت في مقال الأمس القصة المحزنة التي روتها الإعلامية والإذاعية المعروفة لمياء متوكل، وكيف أن روح طفلة بريئة كادت أن تضيع بسبب الإهمال والبيروقراطية وعدم الإحساس بالمسؤولية داخل مستشفى أم درمان، أحد أكبر مستشفيات ولاية الخرطوم والبلاد بصورة عامة. وأول ما يستوقف المرء في هذه القصة المأساوية؛ في حال تجاوزنا التردي الصحي العام، وانعدام الأدوية وسوء الرعاية.. الخ, هو تلك الطريقة العجيبة المتعالية اللامبالية التي خاطب بها المدير الطبي أو الطبيب المناوب الأستاذة لمياء حين استفسرته عن غياب الاختصاصي الذي تتوقف متابعة الحالة وعلاجها على يديه. فالأطباء والممارسون الصحيون الآخرون، كنا نعتقد أنهم آخر من تبقى للمواطن: يواسيه ويخفف عنه ويدعمه إن استطاع، أما أن يتحول الطبيب نفسه إلى أداة لرفع معاناة المرضى ومرافقيهم والتعامل معهم بذلك الشكل المستهتر فهذا ما لم نكن نتصوره أبدا.

الملاحظة الثانية والمهمة – في رأيي – والتي أوردتها لمياء أثناء سردها لقصة الطفلة المصابة، وما واجههم من (مصاعب) و(أهوال) بمستشفى أم درمان؛ تتعلق بالجزئية التي تنتقل فيها برفقة الطفلة إلى مستشفى السلاح الطبي، حيث تصف لنا عبر سردها (الأمين) أن المسافة بين المستشفيين لا تستغرق أكثر من عشر دقائق، هذا بحسابات المكان والحركة من وإلى؛ أما بحسابات الإمكانيات العلاجية ومستوى الخدمات الصحية المقدمة والأسلوب والتعامل؛ فالمسافة تبعد بين المستشفيين ملايين السنوات الضوئية الموغلة في الاختلاف والمغايرة الحضارية.

أولى الفوارق الكبيرة بين المستشفيين المتجاورين (نسبيا)، تتعلق بطريقة الاستقبال وحجم الاهتمام والمبادرة والمباشرة الفورية؛ فالاستقبال الطيب المقترن بالجدية والسرعة ينقل للمريض وذويه حالة من الاطمئنان ويعده بشكل نفسي ممتاز لتجاوز محنته، بعكس ما يحدث في مستشفى أم درمان، حيث أن الإحساس الذي ينتقل للمريض بالتأكيد هو “أنت حالة ميؤوس منها لذا لا تستحق الاهتمام”! الاختلاف الآخر والكبير والمهم أيضا يتعلق بالمستوى الصحي “النظافة، العنابر، الغرف، الأدوات الطبية، الطعام… الخ”، وهو ما يتوفر بصورة حضارية وحداثية في السلاح الطبي، وينعدم تماما في مستشفى أم درمان؛ الذي أصبح أقرب إلى مكب للنفايات!

ختام: نعم، ربما رحلة تستغرق منك عشر دقائق فقط قد تحقق لك (نقلة حضارية) غير متوقعة.

استدراك: نقلة سوف تضعك في مواجهة محزنة مع واقعك المتردي وقيمتك (الضائعة) كإنسان في بلاد لن تدرك أبدا معايير الأشياء فيها.

أساطير صغيرة – صحيفة اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *