د. ربيع عبد العاطي عبيد : السودان دولة عظمى

٭ قد يهزأ الكثيرون عندما يطالعون هذا العنوان، خاصة إذا تمت المقارنة بين السودان من حيث بنياته الأساسية ومستوى الحياة فيه والدول التى يمكن وضعها فى سياق أنها دول عظمى.
٭ وما دعانى للإصرار على أن السودان دولة عظمى، يتلخص فى إجماع ليس فيه شك على أننا بهذه البلاد نتمتع بموارد ضخمة ومناخات متنوعة وأرض خصبة وثروات طائلة منها المعدنى والنفطى والزراعى، ولكن يا للأسف كلها ليست مستغلة، وأصحابها يعيشون فاقة ومسغبة، واستفزازاً يصب عليهم من أصدقائهم وأعدائهم على نحوٍ مختلف، إن لم يكن على درجة من التساوى، وهو بالقطع أمر يثير الاستغراب والاندهاش.
٭ ولقد هالتنى تلك المعلومات الثرة إلتى حواها ذلك المعجم الذى تفضل بكتابته أستاذنا أحمد محمد شاموق، حول الكوادر البشرية من علماء وخبراء مما يتمتع بهم السودان، فى شتى حقول المعرفة الإنسانية، والتخصصات النادرة، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً .
٭ ويقينى في ما لو استغلت إمكانات من ذكرهم الأخ شاموق، لكان حالنا يختلف جملةً وتفصيلاً عن وضعنا الراهن، ولما احتاج معظمنا للبحث عن فرصٍ للهجرة لتأمين لقمة العيش، أو توفير مصاريف الدراسة للأبناء، ولأصبح السودان قبلة للدراسة والمعرفة والباحثين عن نماء رؤوس الأموال.

٭ ووجه الاستغراب يتمثل فى عجزنا عن الاستفادة من كوادرنا البشرية وقدراتنا العلمية، فلا نجد أن المسؤولية تسند لأهلها، ولا المهنة يضطلع بها من تدرب على مهارات وجوانب المعرفة فيها.
٭ ولو كنت مسؤولاً عن التنمية والاستثمار لما ترددت فى حصر الثروات إلتى حبانا الله بها، وفكرت ملياً فى استجلاب من هم أعرف باستغلالها بوضع خريطة وامتيازات للقادرين على مثل ذلك الاستثمار، وما أكثرهم، لكنهم لم يجدوا تسهيلا ًولا تشجيعاً، بل قد يحاول بعضهم، فتوضع أمامه العراقيل وتحول دون إقدامه العقبات، وسوء الإجراءات وتعقيداتها.
٭ ولو كنت مسؤولاً عن التوظيف وإسناد المهام لمن شربوا عناصر الكفاءة لانجازها، لبسطت أمام مجلس الوزراء، قائمة من أولئك الذين شرفونا بعلمهم وخبرتهم، بالإطلاع فقط على معجم الشخصيات السودانية المعاصرة، مما دونه الأخ شاموق، وعندها سنرى كيف أن هؤلاء سيقفزون بنا إلى مصاف العظمة ومناطحة ذرى المجد، عكساً لتلك المشاعر الكاذبة من الذين هزأوا على ما دعانا لعنونة هذا الموضوع بما يفيد بأن السودان هو الدولة العظمى، وهو ليس بأمر كذب، وإنما هو الحق إذا كان الحق بالفعل أحق بأن يتبع. ولو نذكر فإن مستهل السنوات التسعين من القرن المنصرم هى السنوات العجاف إلتى صاحبت مسيرتنا، فكانت الاستعانة برجال أفذاذ فى تخصصاتهم، فلم يمض حين من الدهر قصير، إلا وحدث الاختراق فى معظم مجالات الحياة، ولا أرد ما حدث من نهضة فى بداية القرن الحادى والعشرين إلا لذلك التصويب والتسديد الذى سبق، إذ لم تسند مهمة لخبرات فطيرة، أو شخصيات تعوزها المعرفة، بل كانت الدقة فى اختيار أصلب العناصر، لأدق المهام وأخطر الوظائف، فغابت يومها معادلات وموازنات كانت سبباً فى الذى أصابنا حالياً، وهو الذى أركسنا إلى منحدرٍ مازلنا نعانى من أدوائه ونتائجه تخلفاً وتخبطاً، بوضع النقاط على غير حروفها، والرجال فى أماكن ليسوا من الذين يتناسبون مع مطلوباتها. والسودان، هو دولة عظمى، بكل معنى تحمله هذه العبارة، ولكن من يدرى ومن يعرف وكيف؟ فمن يود أن يدرى عليه أن يتواضع على الحلول الموضوعية، ولا يعتقد أن ترضية زيد أو عمرو هى الكفيلة بإيجاد حلٍ لمعضلة، أو أزمة صاحبت مسيرتنا السياسية، أو حركتنا الاقتصادية. ومن أراد أن يعرف ما هو الأسلوب الذى يجعل السودان فى المقدمة بعد استقراره فى المؤخرة لردحٍ من الزمان طويل، عليه ألا يستمع لوجهة نظر واحدة لجماعات، أو فئات أغلقت جميع النوافذ والأبواب، حتى لا تُعمل وجهة نظرٍ خلافاً لتلك إلتى ترى، ذلك لأن فتح جميع النوافذ والأبواب هو الكفيل بتجديد هواء التنفس، والضامن الوحيد لنقاء الفكرة، والتلاقح المؤدى إلى الثمار باستخدام البذور المحسنة، إذ لا يفيد أمة الرأى المفرد، ولا الذى تحتكره جماعات فنحرم من رأى له القدرة على دفع حركة الإصلاح والتحسين.

٭ والسودان هو الدولة العظمى بحق، ولكن الحقيقة لا ترى النور إلا إذا آمن بها النّاس وعملوا بجدٍ من أجلها، وفى مقدمة هؤلاء ينبغى أن يكون القادة والحكام لأنهم هم الذين يضربون المثل لمن يحكمونهم بالإقدام، أما التخاذل فهو الذى سيبقى السودان متخلفاً، لكنه لحسن الحظ دولة عظمى فى انتظار الرجال.

صحيفة الإنتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *