قصة لغة مهددة بالانقراض: «آخر متحدثين بها متخاصمان»

قصة لغة مهددة بالانقراض: «آخر متحدثين بها متخاصمان»

كان اندثار الثقافات أحد أكبر مساوئ الاستعمار؛ فكلما وقع شعب في قبضة خصم ما، سعى الأخير إلى فرض أسلوب جديد في الحياة على الأول، ومن جملة الأشياء التي ينطوي عليها ذلك الأسلوب هو القضاء على الهوية الأصلية للشعوب؛ بأن يصدّر لهم الغازي عادات دخيلة، ويجعلهم يتكلمون بلسانه دون لسانهم الأصلي.

في المكسيك أصبحت لغات السكان الأصليين عرضة للانقراض بانتهاء الغزو الإسباني، والشاهد الأكبر على ذلك ما تعرضت له لغة «Ayapaneco»؛ إذ لا يجيدها سوى عجوزان في قرية «أيابا» الواقعة على بعد 10 كم شرقي مدينة كومالكالكو التابعة لولاية تاباسكو، حيث تراجع عدد المتكلمين بها منذ منتصف القرن العشرين بعد إدخال التعليم الإلزامي باللغة الإسبانية إلى مدارس المكسيك، وهجرة عدد كبير من الناطقين بها إلى المدن والبلديات المتكلمة بألسنة أخرى.

وآخر الناطقين باللغة هما: مانويل سيجوفيا (79 سنة)، وإيسيدرو فيلاسكيز (72 سنة) ويقول «سيجوفيا» لصحيفة الجارديان: «عندما كنت صبيًا كان الجميع يتحدثها، ومؤخرًا احتفظت بالتحدث إلى شقيقي بها حتى مات منذ حوالي 10 سنوات، كما أنني لا أزال استخدمها مع ابني وزوجتي الذين يعرفونها قليلًا.. أما الآن فاللغة تختفي شيئًا فشيئًا، وأرجح أن تزول نهائيًا بمجرد وفاتي». أما «فيلاسكيز» فيفضل عدم التحدث إلى الآخرين بلغته الأم إلا قليلًا. وفي محاولات عديدة لحفظ اللغة من الاندثار؛ سعى عدد من اللغويين إلى الاتصال بالعجوزين لإصدار قاموس يشمل جميع مشتقاتها، ولما تمكنوا من الوصول إليهما، وجدوا عقبة كبيرة عاقتهم

كانت الأخبار السيئة التي علم بها اللغويون في «أيابا» أن ثمة خلاف دبّ بين العجوزين حول بعض التفاصيل في اللغة، ومن ثم عزف كلاهما عن التحدث إلى الآخر، وبالسؤال عما إذا كان هناك خلاف دفين بينهما منذ زمن طويل، يقول بعض المقربين إنهما «لا يفضلان أن تكون ثمة شراكة بينهما».

لهذا جاهد نجل «سيجوفيا»، يدعى مانويل أيضًا، على مدى 5 سنوات متتالية من أجل تعلم اللغة وإجادتها، في محاولة لتدريسها للأجيال الجديدة، وإبقائها على قيد الحياة. وسعى دانيال سوسلاك، أستاذ الأنثروبولوجيا اللغوية في جامعة ديانا، إلى تجاوز الخلاف بين العجوزين، وبالفعل قطع شوطًا متقدمًا نحو إعداد أول قاموس للغة، كما خطط شابان من صناع الأفلام المكسيكية لتصوير فيلم وثائقي بعنوان اللغة الميتة «Lengua Muerta»، من بطولة «فيلاسكيز» و«سيجوفيا»، وتأمل مخرجة الفيلم، دينيز كوينتيرو (30 سنة)، في «خلق ذاكرة سمعية بصرية لخدمة الأجيال اللاحقة، وزيادة الوعي لدى الأجيال الحالية للحفاظ على اللغات الأصلية المتبقية».

ويوجد في المكسيك حوالي 86 لغة للسكان الأصليين، تواجه حفنة منها مخاطر الانقراض، وإن كانت «Ayapaneco» النموذج الأكثر تطرفًا. وفيما يتعلق بالاسم، فإن اسم «Ayapaneco» أطلقه الغرباء على اللغة، أما العجوزان فيفضلان لها اسم «Nuumte Oote» والذي يعني «الصوت الصحيح»، كما أن لكليهما رأي مختلف في بعض التفاصيل، ولهذا فإن مشروع القاموس الجديد سيعمل على إدراج الرأيين لضمان الاستفادة من اللغة التي وصفها «سوسلاك» بأنها: «غنية بالتعبيرات التي غالبًا ما تجتلب إلهامها من الطبيعة».


المصري اليوم

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *