جعفر عباس : هل أنا ناجح؟ لكم القرار (7)

جعفر عباس : هل أنا ناجح؟ لكم القرار (7)

أوجعت رؤوس من صبروا على قراءة مقالي هذا على مدى الايام الستة الماضية، بالحديث عن نجاحي، وأقسم بالله صادقا أن الهدف الحقيقي من كل ما أوردته عن «نجاحي»، ليس التباهي، ولو راجعت حديثي عما أنجزته لاستحق لقب «ناجح» ستكتشف أنه ليس في سيرتي الذاتية أي شيء لافت: وش يعني واحد درس حتى المرحلة الجامعية ثم صار مدرسا ثم مترجما ثم صحفيا ثم منتجا للبرامج التلفزيونية… مئات الآلاف من العرب حققوا ما هو أكثر من ذلك.. بالضبط يا صديقي!! فما يميزني عن هذه الآلاف المؤلفة هو أنني حامد وشاكر، ولا أفتأ أذكر نفسي: كنت فين وبقيت فين يا بن عباس.
وكلمة أخيرة: تحدثت كثيرا عن الشهادات والوظائف والثروة كبعض عناوين النجاح، ولكننا جميعا نعرف نماذج وشخصيات مشرفة نجحت وعاشت ملء السمع والبصر وهي لا تملك أياً من تلك الأشياء والأدوات. خذ مثلا عاملا بسيطا يعول ستة أشخاص، يوفر لهم الطعام والمسكن والتعليم والطبابة، وكل ذلك في حدود الستر، وينجح عياله الأربعة في الدراسة والعمل، وتقفز العائلة بضع درجات إلى أعلى في السلم الاجتماعي.. الناجح الحقيقي هنا هو «العامل البسيط»، وليس عياله، لأنه من صنع مجد ومستقبل عياله.
ومعظم طبقة الأفندية (كلمة أفندي دخلت قاموس الخدمة العامة لوصف أصحاب الياقات البيضاء أي موظفي الحكومة الذين يؤدون أعمالا مكتبية، في حقبة الحكم التركي للبلدين، وتوقف السودانيون عن استخدامها ولكن المصريين ماسكين فيها إلى جانب بيه -أصلا بك- وباشا)، المهم أن معظم الأفندية والأثرياء الجدد في السودان من عائلات تعمل بالزراعة أو الرعي، فلو نال بعضنا المكانة والوجاهة بالمنصب او المال فالشكر -بعد الله- للوالد الفلاح أو الراعي.
ومن ثم فإن الناجح الحقيقي لا يتبرأ من أصله وجذوره، ولا يتنكر لمن كدوا وجدوا لينال هو حياة أفضل، ولا شيء يمنع عيال المزارعين والبدو والرعاة والعمال اليدويين والحرفيين، وصغار الموظفين من جيل الشباب، من أن «ينجحوا».. نعم الأوضاع العامة هنا وهناك قد تجعل اليأس يتسرب الى القلوب، ولكن أبواب الأمل مفتوحة لمن يطرقها بعناد ومثابرة، ليس شاهرا البكالوريوس او الماجستير، بل عزيمة وإرادة تتحدى الحيف واليأس وقيظ الصيف السياسي والاجتماعي، ومن الأمثال الخليجية التي أعلقها قلادة في عنقي إن «كثرة الدق يفك اللحام».. الله ما أبلغ وأجمل هذا الكلام.
.. ولو عدت إلى جانب من قصة حياتي فإنني اليوم أحمل لقب «إعلامي» عن استحقاق، لأنني نلته بعرق جبيني وحبر قلمي، ولم أدرس الإعلام كما هو حال أساطين الصحافة العربية عموما الذين أسسوا لإعلام مقروء ومنطوق ومصوّر، من دون الاتكال على شهادات مبروزة.. والشاهد هو: لا تقل أنا جامعي «تخصصي» بيطرة فكيف أعمل في فندق… أنا «تخصص محاسبة» كيف أعمل بياع تذاكر في شركة طيران.. أنا عندي بكالوريوس أحياء، كيف أعمل كاشير أو موظفة استقبال في فندق.
فالمهم كخطوة أولى أن تخرج نفسك من طابور المتبطلين، وأن تدرك أن الديناصورات سيلطشونك في بداية مسيرتك، ولكن تظل تزاحم وتصبر وتناقر حتى تجد عملا ترتاح له، وقد يكون بعيد الصلة عن مجال تخصصك الأكاديمي.. لا شيء يمنع طبيبا من أن ينجح في تجارة الأقمشة، ولا خريجة صيدلة من أن تصبح سيدة أعمال بأن تبدأ بتجارة الشنطة.. ولكن المهم في جميع الأحوال أن يغرز كل شاب راية افتراضية على ربوة عالية مغطاة بالأشجار والزهور، ويقرر أن يسير نحوها موفور الكرامة، حتى يجلس حيث هي.. والراية هي الغاية المثلى و«إذا كانت النفوس كبارا/ تعبت في مرادها الأجسام».

[email protected]

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *