سد النهضة وعاصفة الحزم.. الساقية لسة مدورة

تحدثنا عن أمرين الأسبوع الماضي وأشدنا بالتحول الإيجابي المطلوب هذه الأيام، وأشرنا الى التوفيق الذي أصابه الرئيس البشير في اتخاذ قرارات بالغة الأهمية والخطورة بكل شجاعة في وقت قياسي ودون تردد، أكدته قوة تحكمه في القيادة وأكسبته موقعاً عربياً متميزاً، ورضاء الكثير من السودانيين من خارج عضوية المؤتمر الوطني.. الأمران هما توقيع إعلان مبادئ بشأن سد النهضة الأثيوبي بواسطة رؤساء دول مصر، اثيوبيا، والسودان في الخرطوم.. والأمر الثاني القرار الرئاسي المفاجئ الصائب بمشاركة السودان عسكرياً في عملية عاصفة الحسم أو الحزم في اليمن، وبهذين الأمرين عاد السودان الى الوسطية الديناميكية أو ما كان يعرف بالحياد الإيجابي قبل خمسين عاماً بقيادات تاريخية مثل تيتو، نهرو، سوكارنو، عبد الناصر ونكروما التي كانت أيام الأزهري وعبود (1956-1964م).

هذا التحول الإيجابي في الأمرين أفرز تبايناً وردود أفعال في كليهما، الشيء الذي يدفعنا الى تسليط مزيد من الضوء على وجهة النظر الأخرى.

أولاً: وفيما يتعلق بتوقيع إعلان المبادئ لإنشاء سد النهضة الأثيوبي عقدت الجمعية الهندسية السودانية ندوة في شكل مناظرة بدار المهندس يوم الاثنين الماضي- طرف المناظرة الأول بقيادة الباشمهندس الخبير المائي القدير كمال علي وزير الري الأسبق، والخبير القانوني الأستاذ أحمد المفتي، والباشمهندس الخبير المائي عبد الله عبد السلام، وهو طرف يمكن أن نطلق عليه الحرس القديم.. في تلخيص غير مخل يرى هذا الطرف أن إعلان المبادئ الذي وقعه الرؤساء الثلاثة الأسبوع الماضي به ثغرات وعدم وضوح متعمد (في وجهة نظرهم) من الجانب الأثيوبي، والملاحظات التي أشار اليها هذا الطرف أنه ومجرد التوقيع يعطي الجانب الأثيوبي قانونية إنشاء السد المخالفة للمعاهدات الدولية، والتي كانت مثار نقاش واعتراض أدى الى إحجام دول ومؤسسات مالية كبرى عن المساهمة في إنشاء السد، وأن هذا التوقيع يفتح الباب واسعاً للمساهمات التمويلية الدولية، وأشار هذا الطرف أيضاً الى أن إنشاء السد يتعارض مع اتفاقية 1902م التي تعهد فيها ملك اثيوبيا منليك الثاني بعدم انشاء أي أجسام تعيق إنسياب مياه النيل الأزرق على السودان ومصر دون مشاورتهما.. والملاحظة الثالثة التي أوردها هذا الطرف أن في البند الثالث من إعلان المبادئ انه لم ينص صراحة على تعويض الضرر الذي يصيب السودان أو مصر، بل أشار فقط الى مناقشة التعويض كلما كان ذلك مناسباً، مما يعني عدم الزام بالتعويض، والمأخذ الرابع أن إعلان المبادئ في بنده الرابع لم يحدد الإلتزام بالأنصبة الحالية للسودان ومصر من مياه النيل حسب اتفاقية 1959م.. والملاحظة الخامسة تشير الى أن البند الخامس من إعلان المبادئ والخاص بالتعاون في الملء الأول لبحيرة السد وطريقة إدارة السد لم يكن به إلزام، بل مجرد احترام للمخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصى بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية، ومنح هذا البند في إعلان المبادئ الضوء الأخضر لاثيوبيا لمواصلة بناء السد وإدارته بعد تشغيله، والتحكم في ضبط تدفق المياه، وإجراء أي تعديل في هذا التدفق بعد إخطار السودان ومصر دون مناقشتهما مسبقاً، ويرى هذا الطرف أن هذا البند الخامس في إعلان المبادئ يعطي اثيوبيا كل الحق في الضبط والتحكم في مياه النيل الأزرق حسب ما تراه مناسباً لها ولمواطنيها.. والملاحظة السادسة أن البند السادس من إعلان المبادئ لم يلزم اثيوبيا بإعطاء الأولوية للسودان ومصر في شراء الطاقة المولدة من السد.. وفي البند الثامن من إعلان المبادئ لم ترد تطمينات أو تأكيدات عن أمان وسلامة السد.. وأخيراً أشار هذا الطرف الى ملاحظة في البند العاشر الخاص بالتسوية السلمية للمنازعات التي كما هو معروف تبدأ بالمشاورات والتفاوض ثم الوساطة وتنتهي بالتحكيم.. هذا البند توقف عند التحكيم و(التحكيم قرار نهائي ملزم)، ولم يشر اليه بل أشار البند الى إحالة الخلاف الى الرؤساء، وأشار هذا الطرف الى أن أكبر إشكال بالنسبة لسد النهضة هو حجم التخزين، والذي يفترض أن يكون تخزين المياه في بحيرة السد 11 مليار متر مكعب (أحد عشر مليار متر مكعب) حسب دراسات هيئة الاستصلاح الأمريكية، وأن السعة التي يتم عليها السد الآن وهي 73 مليار متر مكعب (ثلاثة وسبعين)، وتمرير فقط 130 (مائة وثلاثين) مليون متر مكعب في اليوم فيه ضرر للسودان، إذ يؤثر في عمليات ملء خزان الرصيرص وسنار، وفقدان ري الحياض، والري الفيضي، والتمور والمترات إضافة الى فقدان السماد الطبيعي جراء حجز الطمي، والذي يزيد أيضاً من عمليات نحر مجرى النهر، وتقليل المياه الجوفية.. الطرف الآخر من المناظرة بقيادة البروفيسور سيف الدين حمد وزير الري السابق والخبراء المائيين المهندسين والدكاترة السر أحمد محمد، أحمد آدم، عثمان التوم، وأحمد الطيب يمثلون الحرس الجديد والذي أعطى الضوء الأخضر للقيادة السياسية لتوقيع إعلان المبادئ، أكد هذا الطرف أن كل موافقاتهم ونصحهم للقيادة السياسية مبني على دراسات علمية ونماذج حسابية دقيقة وكان ردهم على النحو التالي:

إن اتفاقية 1902م التي اعتمد عليها الطرف الأول والتي فيها التزام ملك اثيوبيا منليك الثاني بعدم بناء أية منشآت في مجرى النيل الأزرق دون مشورة السودان ومصر بها نصان معتمدان دولياً.. النص الأول بالانجليزية، والثاني بالأمهرية، والنص الانجليزي يؤكد مشورة السودان ومصر وموافقتهما المسبقة، والنص الأمهري لا يشير الى هذه المشورة والموافقة، لذلك الاعتماد على هذه الاتفاقية ضعيف، أما ملاحظة الطرف الأول حول الثالث الخاص بتعويض الضرر فيقول هذا الطرف إن مجرد النص على ضرر فيه الزام بإزالته، إذن ما المعنى في الاشارة اليه دون المطالبة بإزالته؟ وفيما يتعلق بالبند الرابع في إعلان المبادئ بأنه لم يحدد أو يؤكد هذه الأنصبة لأن اثيوبيا أكدت أنها لن تستطيع حجز المياه المتدفقة سنوياً بعد الملء الأولي، لأن ذلك يؤثر على سلامة السد، وعليه سوف يستمر تدفق المياه كما كان، وأمر تقسيم الحصص يخص السودان ومصر واتفاقاتهما السابقة أو اللاحقة.. وعلى ملاحظة الطرف الأول على البند الخامس من إعلان المبادئ والخاص بالتعاون في الملء الأول لبحيرة السد وطريقة إدارته أكد الطرف الثاني التزام اثيوبيا بكل مخرجات اللجان الفنية المشتركة، وأكدوا أنهم متابعون عن قرب وتناغم مع الاثيوبيين، وأن مسألة إدارة وضبط سريان المياه عبر السد محكوم تماماً بسلامة السد وطرق التشغيل المعلومة عالمياً.. وعن البند السادس الذي لم يلزم اثيوبيا بإعطاء الأولوية في شراء الطاقة للسودان ومصر أشار هذا الطرف الى أن اثيوبيا لا ولن تحتاج في القريب العاجل الى طاقة كهربائية أكثر من ثلاثة آلاف ميقاواط، وأن لدى اثيوبيا مشاريع أخرى لتوليد الطاقة الكهربائية المائية، وأنها تسمى برج الماء ولها إمكانات لإنتاج خمسة وأربعين ألف ميقاواط من الطاقة المائية، إضافة الى أن اثيوبيا في حاجة ماسة لتصدير الكهرباء كواحد من أهم ثرواتها الطبيعية.. وأنا أضيف من عندي أن الرئيس الراحل ملس زيناوي عندما زار السودان في سبتمبر 2011م قال في تصريح نشر في صحيفة آخر لحظة الصفحة الأولى العدد 1832 بتاريخ 19/9/2011م قال: (كنت أتوقع أن يشارك السودان بنسبة 30% في بناء سد النهضة؛ لأن السودان سيكون المستفيد الأكبر من سد الألفية الذي سوف ينتج 6 آلاف ميقاواط وهو على بعد 40 كيلو متر من حدود السودان الشرقية، وكل الآثار السالبة الإجتماعية ستكون في الأراضي الأثيوبية خلف الخزان) انتهى.. والغريب أنني أشرت في مقالات في صحف الأيام وسودان فيشن في يونيو 2011م مطالباً السودان بالمشاركة في بناء السد بنسبة 25% أي قبل ثلاثة أشهر من حديث الراحل مليس زيناوي.

وفيما يتعلق بالبند الثامن من إعلان المبادئ أكد هذا الطرف أن الاثيوبيين وافقوا على كل الملاحظات الفنية عن سلامة السد، وقاموا بتعديلات كما أكد هذا الطرف أن شركة ساليني الايطالية لها خبرة في إنشاء السدود في مناطق أكثر خطورة، وهي شركة لها خبرة طويلة، وهي مطالبة حسب القواعد العالمية للمقاولات بإبداء أية ملاحظات عن التصميم قبل تنفيذه.. أما فيما يتعلق بفض النزاع فيرى هذا الطرف أن رؤساء الدول الثلاث أقدر من التحكيم على حل أي اشكال ودياً فيما يتعلق بفقدان الطمي وفقدان الري الفيضي أو المترات، وأن استدامة تدفق المياه في منسوب واحد يمنح المزارعين الفرصة للزراعة طول السنة، بدلاً عن الزراعة الموسمية، وأن السد لن يحجز كل الطمي بل يقلل من الكميات الكبيرة الضارة.. قياساً على ما سمعت في الندوة أو المناظرة أرى أن قيام السد فيه فائدة للسودان ولا توجد مخاطر غير عادية خلاف المخاطر العادية في أية منشأة هندسية، وأنه يمكن التوصل الى حل مرض لمسألة ملء البحيرة في المرة الأولى، وأن السودان في حاجة الى طاقة كهربائية مائية قليلة الثمن، كل ذلك في ظل أن الأخوة المصريين أكثر حساسية من أي تأثير على تدفق مياه النيل، وأنهم أكثر خبرة منا وأكثر دقة في تحديد ما يريدون، فإن توقيع رئيسهم على إعلان المبادئ يدل على تأكدهم من عدم وجود مخاطر جسيمة وأي مخاطر أخرى يغطيها إعلان المبادئ هذا- لذلك أنا مع قيام السد.

الأمر الثاني وهو قرار الأخ الرئيس بالمشاركة في عملية عاصفة الحزم قرار صائب وضربة معلم تفيد السودان وتخرجه من عزلة تاريخية، وأن كل ذلك ما هو إلا توفيق من الله..

التباين في الآراء نشأ من أن قيادة هذه العملية وهي السعودية ومصر لهما رأي ومراسيم وقرارات، باعتبار أن حركة الاخوان المسلمين العالمية حركة إرهابية تحاربها، وأن الحوثيين مدعومون من إيران التي كانت معنا منذ حوالي 30 عاماً (بدأت العلاقات مع إيران مع حكومة السيد الصادق المهدي عام 1986) وفي ذلك كان الأخ الرئيس البشير واضحاً ويعلم ما يقول ويفعل، بأن أوضح أنهم ليسوا جزءاً من الحركة الاسلامية العالمية، وبذلك غير معنيين بتلك المراسيم الملكية السعودية أو القرارات المصرية، بل هو وطني ويسعى لمصلحة شعبه في تعداده الخمسة وثلاثين مليوناً في انقاذهم من التشظي والتدخل الدولي والحروبات الأهلية والتدهور الاقتصادي الذي بدأت آثار معافاته في ارتفاع سعر الجنيه بسرعة مذهلة، وسيتبع كل ذلك بقرارات واجراءات في صالح الشعب السوداني الكريم في القريب العاجل، ولكن عدم مشاركة السودان في المؤتمر التحضيري في اديس مباشرة بعد قرار السودان المشاركة في التحالف العسكري مع السعودية ومصر في عاصفة الحزم سوف يعيد الحساسية بين الدول الأفريقية والسودان.. الأمر الذي يتطلب علاجاً عاجلاً بمهارة ومرونة.

والله الموفق.

م/ عمر البكري ابو حراز
صحيفة آخر لحظة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *