المطرب محمد ميرغني يروي قصة الأغنية الوطنية يا حارسنا وفارسنا

المطرب محمد ميرغني يروي قصة الأغنية الوطنية يا حارسنا وفارسنا

تعرفت على الشاعر محجوب شريف في أواخر الستينات عندما كان طالباً بمعهد معلمي مريدي الذي تم تحويله من الجنوب إلى الخرطوم، وكان موقع المعهد بالقرب من جامعة الخرطوم ومدرسة الخرطوم الثانوية , كنت أزورهم باستمرار للمشاركة في الليالي الثقافية والفنية التي كانت تقام في المعهد , في تلك الفترة رأت إدارة المعهد أن تقوم بتوزيع الطلبة على المدارس المختلفة لتلقي فترات تدريبية، وكان من حسن حظي أن من بين الطلبة الذين تم الحاقهم بمدرسة العزبة ببحري التي كنت أعمل فيها معلماً كان الشاعر محجوب شريف , فتوطدت علاقتي به أكثر وأكثر , وفي أول تعاون فني بيني وبينه أهداني أغنية عاطفية لا اتذكر عنوانها , لكن قمت بتلحينها وأصبحت جاهزة للتغني بها, في تلك الفترة دخل محجوب شريف المعترك السياسي وفي خطوة كانت بالنسبة لي مفاجأة طلب مني عدم التغني بالأغنية , ربما لشيء ما، في نفسه، لكنني احترمت وجهة نظره ولم أتغن بها , على الرغم من أن كلماتها كانت جميلة جداً وكذلك اللحن , وأنا مازلت احتفظ بهذه الأغنية حتى الآن – بعد تخرجه من المعهد كنا نلتقي يومياً في اتحاد المعلمين بالخرطوم , بالقرب من صينية الحركة وكنا نعقد جلسات مسائية نحن رابطة الطلاب الاشتراكيين , كنا نجتمع في ركن مساء كل يوم لنناقش العديد من القضايا السياسية والأدبية وقضايا ومشاكل المعلمين , في تلك الفترة وبعد ثورة مايو كتب أغنية ( يا فارسنا وحارسنا ) وكنا نحن الاثنان ننتمي لثورة مايو , أنا علاقتي كانت ممتازة جداً بالرئيس جعفر نميري، وكل أعضاء مجلس قيادة الثورة، وكنت على اتصال دائم بالرئيس نميري حينما كان بمعسكر جبيت قبل حدوث الانقلاب وتوطدت علاقتي به وأعضاء مجلس قيادة الثورة لدرجة أنهم كانوا يستمعون كثيراً لأغنيتي ( أخوان الصفا ) كلمات الشاعر السر دوليب , فكان سماع هذه الأغنية هي شفرة ساعة الصفر لبداية الانقلاب فارتبط أعضاء مجلس الثورة وجدانياً بهذه الأغنية وكانوا يستمعون إليها كثيراً , لقد كنت أحب الرئيس نميري حد الجنون مثل حبي لفريق الهلال، وأنا في تقديري الشخصي أن هذا الرجل ظلم ظلماً كبيراً . الرئيس نميري كان وطنياً غيوراً يحب تراب هذا البلد , رأيه واضح وصريح تحس بالصدق في كل كلمة كان يقولها – حملت القصيدة وذهبت بها إلى لجنة النصوص وكانت تضم عباقرة الشعراء السودانيين إبراهيم العبادي – المجذوب – حسن نجيلة – صديق مدثر – مبارك المغربي – أول من أستلم النص كان العبادي وليته وقع في يد أحد الأعضاء الآخرين لكان ذلك أجدى وأنفع لأنهم سيقرأون النص بطريقة حديثة وسهلة وبسيطة وليس كما قرأها العبادي بطريقة تقليدية , أفقدها معانيها الحقيقية , فقد قرأ النص على طريقة شعراء الحقيبة وليس على الطريقة الحديثة , قرأ كلمة يا فارسنا وحارسنا بضم السين وكذلك بضم التاء في يابيتنا – وكنت أتمنى حينها أن يقرأها كما تغنينا بها أنا ووردي – ولذلك عندما قراء البيتين الأوائل قذف بالنص بعيداً عن التربيزة قائلاً: هذا ليس شعراً , ولأن الأعضاء الآخرين كانوا يهابونه لم يناقشوه وارتضوا برأيه – وحينما علمت أن النص رفض من اللجنة اعترضت اعتراضاً شديد اللهجة وقلت لهم: أنا سأتغنى بهذه الأغنية في أي مكان في الشارع وفي الحفلات , وخرجت إلى خارج الإذاعة وبرفقتي عبدالله عربي الذي وضع لحناً جميلاً للأغنية وكان معنا علي ميرغني , عند باب الإذاعة التقينا بالفنان وردي فسألني: لماذا أنت منفعلاً هكذا يا محمد؟ قلت له: تقدمت بأغنية جميلة للجنة النصوص وقالوا إنها لا تصلح , قال لي: من الذي قال لك إنها لا تصلح؟ , قلت له : إبراهيم العبادي فقال : أنت القال ليك منو وديها للعبادي , أنت غلطان – الفنان محمد وردي كان دائماً يعتز برأيه , القصيدة التي يقتنع بها يتغنى بها مهما كان رأي أي لجنة، لأنه كان يعتقد أنه هو الذي سيكون في الواجهة وهو الذي سيقدمها وهو المسؤول عنها وهو الذي معني بإيصال المعاني التي تتضمنها القصيدة , كان يرى دائماً أن يكون للفنان لجنة مصغرة , يأخذ برأيه فيما يقدمه من أغنيات – بعد هذا الحديث الذي قاله وردي طلب مني النص وقرأه وبعد أن انتهى من قراءته نظر إلينا قائلاً: ( أديكم مائة وخمسين جنيه وتدوني النص ده ) نظر إليه عبدالله عربي باستغراب شديد ورد عليه متأسفين يا أستاذ أنت ماعندك أي طريقة في النص ده , هذا النص ملكاً لمحمد ميرغني , اقتنع بإجابة عبد الله عربي ولم نكن نعلم إلى ماذا كان يرمي حينما طلب منا الذهاب معه إلى منزله لتناول طعام الغداء ثم النظر في موضوع الأغنية وكان وقتها يسكن في شارع 61 آخر العمارات – وقبل أن نتناول طعام الغداء أخذ وردي العود وبدأ في تلحين النص وبعد فترة وجيزة استأذن في الخروج قليلاً وبعد أقل من ثلث الساعة عاد وردي وقد أكمل لحن الأغنية بالشكل الذي استمع المستمعون إليه – أثناء تحفيظي اللحن كان يغني معي وحينها اقترح علي ميرغني أن نتغنى بالأغنية ثنائياً، لأن أصواتنا كانت متقاربة في الأداء , رد عليه وردي الأغنية ملكاً لمحمد ميرغني لكنه إذا وافق فلا مانع لي – أحسست أن وردي كان معجباً بكلمات الأغنية فعلاقتي به جعلتني أستطيع أن أقرأ دائماً مافي عيون وردي وماذا يريد , وردي كان يريد التغني بهذه الأغنية بأي طريقة , وردي كان عندما يعجبه نص لايمكن أن يتوانى لحظة في التغني به مهما كانت العواقب ولذلك وافقت على الاقتراح لكنني أشرت إلى وردي قلت له : أنت لك الحق في المقاطع التي تتغنى بها اطلع بصوتك كما تشاء ( إن شاء الله تبقى طرزان ) لكن المقاطع التي تخصني لابد أن تتماشى مع إمكاناتي الصوتية , فاقتنع بوجهة نظري , بعد الغداء مباشرة ذهبنا إلى نادي الفنانين وكان مواجهاً لباب الإذاعة الرئيس , جمع وردي مجموعة من العازفين وبدأنا في عمل البروفات التي استمرت حتى التاسعة مساءً ثم ذهبنا جميعاً يتقدمنا وردي ودخلنا مبنى الإذاعة ولم يكن هناك حجز للاستوديو لكن كل العاملين بالإذاعة كانوا يحبون وردي وكانوا ينفذون كل مايطلبه , فتحوا لنا الاستوديو على مصرعيه وبدأنا في تسجيل الأغنية وانتهينا من التسجيل في الثانية عشرة مساءً وفي صباح اليوم التالي أذيعت الأغنية فأصبحت أغنية الثورة وكانت تقدم بعد كل نشرة أخبار وأنا لازلت استمع إليها حتى الآن- وفي ظهيرة اليوم التالي لتسجيل الأغنية سجلناها للتلفزيون فأصبحنا أنا ومحجوب شريف ووردي نمثل قروب الثورة، كما لابد أن أشير في الختام إلى أن تقديمي إلى هذه الأغنية كان عن قناعة تامة بثورة مايو، حيث كنت مؤمناً بكل أطروحاتها ومبادئها وأهدافها التي اندلعت من أجلها .

 

 

صحيفة التيار

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *