عبد الجليل سليمان : طبيب الصحراء..!!

عبد الجليل سليمان : طبيب الصحراء..!!

جلس الشيخ بكري على مقعده الوثير ليتوضأ.. الفكرة تقتضي أن يمضي الماء إلى (طست) بلاستيك نظيف.. هنالك من ينتظر الماء الطهور كبلسم من بعض الأمراض.. لم يكن الرجل الصالح قد أكمل المسح على رجله اليمنى- حينما- رأى الدرويش التاج مندفعا تجاه المسيد وبعض من جلبابه بين أسنانه.. ربما أخبار من الغريب الذي دخل البادية صباح أمس.. الرجل اللاهث يخبر الشيخ بكري أن الغريب قد شفى البتول بت طه.. عبَّر الشيخ عن غضبه- حينما- رفس الماء الطهور الذي مضى منسربا بين الرمال العطشى.. البتول أمس حرر لها الشيخ شهادة وفاة حينما أهدى زوجها كفن من الدمور.. إن عادت البتول إلى الحياة ستضعف قبضه الشيخ على شعبه،
في الطرف الآخر من الفريق كانت الفتنة تشتعل.. الدكتور طارق جاء إلى الصحراء لتحضير بحث في طب المجتمع.. لم يكن طارق طبيبا حاذقا.. الأقدار جعلته طبيبا.. خشي أن يمضي إلى المعاش دون أن يغادر محطة طبيب عمومي، فذهب يبحث في أوجاع المجتمع ليرتقي درجة علمية.. دخل الحلة من طرفها الشمالي، وعند أول خيمة وجد من يستقبله بأعراف البادية التي تقتضي إكرام الضيف قبل معرفة اسمه وعنوانه وأصله وفصله.
استغرب الزائر- حينما- رأى انزعاج أهل الدار الذين كانوا يتهيأون لدفن المريضة، وهي تصرخ.. أخبروه أن شيخ بكري أخبرهم أنها لن تعيش فوق ثلاث ليال.. سألهم عن الأعراض فكانت تعني له التهاب فيروسي يسبب الاستفراغ والإسهال.. من طرف الحقيبة ودون أن يخدش تقاليد البادية منحهم بعض المضادات الحيوية.. في الصباح انتهى الألم والصراخ، وازداد الضيف احتراما،
بعد صلاة الظهر اجتمع الشيخ بكري بأعيان القرية متهما القوى الإمبريالية بإرسال عميل ليتحسس أعراضهم.. بعدها أصدر فتوى تحرم على الطبيب أن يدخل البيوت، أو يتحدث للناس.. قبل أن يكمل الشيخ خطابه العنيف ارتفعت حنجرة فضل الله ود سالم باقتراح يقضي بطرد الغريب.. إبراهيم ود طه اعترض على مبدأ طرد ضيف استجار بالفريق، ثم قدم حزمة توضيحات، مؤكدا أن الغريب لم يرَ شقيقته البتول، وأنه من أوضح أعراض المرض،
فيما كان الشيخ مشغولا برسم المكائد، كان الحكيم يمضي مخترقا كل الحدود.. دكتور طارق نسي مهمته، وبدأ مهتما بالشيخ القابض على مقاليد السلطة في البلد.. شيخ بكري ورث النظارة من الده فضل المولى.. زاد على السلطة السياسية حينما أصبح إمام الناس في صلاة الجمعة.. حينما مات البصير جابر آلت جميع الصلاحيات الطبية إلى الشيخ بكري.. حتى الداية ست البنات أصبحت ضمن الفريق العامل مع فضيلة الشيخ بكري.
حينما اشتد الصراع سعي الجانبان إلى مواجهة حاسمة.. دكتور طارق يناصره أولاد طه الذين أنقذ ابنتهم من الموت، والشيخ وسط مؤيديه من عشيرته الأقربين.. ميدان المناظرة كان في ساحة المولد.. في هذا المكان- وحده- مسموح للنساء بالوجود.. شيخ بكري سأل الطبيب الزائر إن كان يستطيع علاج نفسه من كل الأمراض.. الطبيب ببعض التردد رد نعم.. الشيخ الماكر عاجله بسؤال أين أمك أظنها ماتت بين يديك.. من يفشل في علاج والدته لا يستطيع علاج الآخرين.. أنصار الشيخ هللوا وكبروا وعدّوا أن النصر من نصيب الناظر.. فكر الدكتور طارق في مغادرة البلدة التي لم تغادر الجاهلية الأولى.. قرر أن يكمل رسالته من مكان آخر، في فجر اليوم التالي كان هنالك من يطرق باب أولاد طه.. الدرويش التاج رسول الشيخ كان يصرخ أين الحكيم؟.. بين الأنفاس المتقطعة يخبر الجميع أن حية لسعت الشيخ، وهو يتأهب لصلاة الفجر.. حمل الحكيم معداته على ظهر ناقة، وصل إلى موقع العمليات.. لم يدرك إن كان عليه أن يحزن أو يفرح.. الشيخ مات قبل وصول فريق الإنقاذ، رجال حول الطبيب أكدوا أن السماء قالت كلمتها.. لم يمنحوا الطبيب فرصة التفكير، وألبسوه عباءة الشيخ الراحل.. فجعت القرية بحاكم جديد يجمع بين الطب والسياسة، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة.. منذ الأسبوع الأول بدأ الشعب الطيب يحن لأيام شيخ بكري، الذي لم يكن يستخدم الحقنة في علاج الجنون.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *