منى سلمان : السمراء وسادة .. شالت قلبي

في سنتي الجامعية الاخيرة فضلت أنا وصديقتي الحميمة أن نغلق على أنفسنا كل ثغرات التهرب من (هجرة القراية)، فاعتزلنا أهل الاسكندرية وما يدّعون، واخترنا أن نسكن مع عجوز عتيقة من أهالي بورسعيد، كانت قد نجت من العدوان الثلاثي على مصر بقدرة قادر، لأنها كانت في زيارة عمتها بالاسكندرية عندما سقطت قنبلة صهيونية على منزل اسرتها ببورسعيد وقضت على (عقابها) ..
تلك السيدة العجوز الـلطيفة كانت تطلب منّا أن ندعوها بـ (ماما عايدة) لأنها أحبتنا وتآلفت معنا .. شوفوا جنس الحنان الدافق ده يا بنات أمي !
رغم هربنا من ضياع الوقت بـ ونسات بيت الطالبات ودبرسات الغربة لحضن تلك المرأة المسنة، حتى لا ننشغل عن المذاكرة، إلا أننا صرنا نقضي امسياتنا في الاستماع لحكاويها التي لا تنتهي عن أهلها وذكرياتها مع بعلها المرحوم والذي كانت تحتفظ بكل ملابسه ومقتنياته في ضلفة من دولاب الغرفة التي استأجرناها منها .. طبعا بعد عرفنا المعلومة الخطيرة دي، علي العلينا بقينا الليل كلو نهضرب بالبعاعيت والمرحوم الـ (اهو برضك قاعد معانا في نفس الأوضة) !!
ذكرت قصتنا مع (ماما عايدة) الله يطراها بالخير، لاستعين بجزئية من حكاويها كمدخل للحديث عن (السمار الذي هو كل الجمال)، فقد كانت تفتخر ببشرتها الناعمة النضرة والتي لم تطالها (الكرمشة) رغم بلوغها من الكبر عتيا، وكيف أن المرحوم الرحمو الله كان يغازلها في ساعات الصفاء ويصفها بأن لها بشرة مشدودة وجميلة كـ (بشرة السودانيات) .. فـ الحقيقة التي تجهلها الكثير من السودانيات الباحثات عن (البياض) هربا من سمرتهن، أن هناك من البيضاوات من هي مستعدة لدفع الغالي والنفيس في سبيل الحصول على تلك السمرة وجمال البشرة الذي حباهن به الله وهن بطرانات ..
من المعروف أن ذوات البشرة (الفاتحة) يبدأن المعاناة من الكرمشة وعلامات كبر السن بعد الثلاثين مباشرة، رغم نضارة بشرتهن وروعتها في الطاشرات والعشرينات، أما السمراوات فيتمتعن ببشرة صحية ومشدودة حتى بعد تجاوزهن لعتبة الستين، ولكن في غفلة من عمر الزمان أصاب السودانيات الشعور بالدونية بسبب اللون الاسمر، فوقعن فريسة لـ لعنة كريمات التبيض التي حاولت أن تغرس في أذهان السمراوات عبر الاعلان الايحائي، أن الجمال المثالي يتمثل في اللون الابيض وروجت شركات تلك المنتجات لصورة الشابة الغير واثقة من مقدراتها وجمالها لأنها سمراء، وكيف تحولت فجأة لنجمة واثقة وجميلة بمجرد (برطها) لوجهها بالكريمات !
المشكلة أن تلك الكريمات (المسمومة) تقوم بتغير لون الوجه فقط، إلا إذا قامت الشابة بمسح جميع جسدها بالكريم، وهذا يحتاج لميزانية اضافية لأن الـ (قدر ظروفك) لا تفي بتلك الحوجة، فتتحول نتيجة هذا التباين في درجات اللون وجوه الفتيات لبقعة ضوء بطارية في ليلة حالكة كهربتها قاطعة !!
يحزنني بشدة مشهد المغنية أو المذيعة أو الاعلامية التي تحمل (المايك) بيدها السمراء أمام وجهها (المبيض)، وكنت اتمنى منهن أن يكونن قدوة لغيرهن بما يتيحه لهن وضعهن الاعلامي، فيتحلين بالثقة الكافية بالنفس للإعتزاز بجمال بشرتهن السمراء، فترسخ في عقولهن حقيقة أن السمار كل الجمال.
من المعلوم ايضا أن البشرة كـ الابن أن أحسنت إليه في الصغر كافأك بالبر في الكبر، لذلك يجب على النساء – من جميع الالوان – العناية بصحة بشرتهن منذ الصغر حتى تحتفظ برونقها وبهائها في الكبر، ولا بأس من استعمال (البلدي والافرنجي) من مكونات العناية، ولكن تغير اللون فـ خط أحمر زي أمن الخرطوم ! – ربطتني منفعة (حريمية) بشابة سمراء تمتاز بشرتها بالنعومة والجمال، فسألتها (تشمرا) عن الكريم الذي تستخدمه، فأجابتني بما أثلج صدري من أنها تفتخر بسمرتها وترفض أن تشوه جمالها بكريمات التبيض، وتناقض الفانتا مع الكولا !
غايتو من شدة فرحتي، فكرت بجدية في اختراع جائزة (فريدة نوبل) للثقة بالنفس ونرشح تلك الشابة ومثيلاتها لنيلها .. أما اشد ما يثير جزعي بسبب المراحل المتاخرة التي وصلت لها حالة (التفسخ الوجهي) ما الاحظه على وجوه الشابات من المعزيات في بيوت البكيات فعندما تغيب البدرة وتجتمع الدموع والشنهفة مع سخانة الجو تتحول الوجوه الى اللون الفوشيا الفشفاشي.. حينها يظهر جلية مدى الدمار الشامل الذي لحق بتلك الوجوه بفعل الكيماوي !!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *