في اسرائيل حكاية شاب سوداني وجد نفسه في قلب تل أبيب

في اسرائيل حكاية شاب سوداني وجد نفسه في قلب تل أبيب

هذه قصة رحلة شاب سوداني مغامر بدأت من الخرطوم وتم التخطيط لها من القاهرة ليتم العبور إلى مدينة العريش ثم النجاح بالتسلل إلى داخل إسرائيل.. قصة غريبة تقوم على أن المخاطر والمغامرات في كثير من الاحيان تكون قدرا مقدورا تتحكم فيه الصدفة لا غير .. هي قصة جديرة بالقراءة لما فيها من جرعات العظة والاعتبار والتأمل وايضا هي غنية بما ظل يكتبه الرواة القصاصون تحت لافتة أدب الرحلات والأسفار ..

شادي من مواليد الخرطوم في نهاية عقد السبعينات.. تلقى مراحله التعليمية بها حتى دخل إحدى الكليات المرموقة بجامعة خرطومية عريقة وبعد تخرجه منها لم يفكر كثيرا في اختيار طريق الهجرة إلى خارج السودان فصعوبة الحصول على وظيفة لمن هو غير موالٍ للحكومة ، ومكشوف الظهر من واسطة أو محسوب كبير يمنحها فرصة للتوظيف في وعاء من ذهب.. مثله لا بد أن يتجه تفكيره إلى هذا الاتجاه، ومع ذلك يضيف شادي أنه رأى فارق العمل خارج السودان وداخله في أسر وشخوص وزيجات ممن أسعفهم حظهم بالاغتراب، خصوصا في البلاد البعيدة غرب الكرة الأرضية، فكثير من أبناء قريته ودفعته ومعارفه تغيرت حياتهم مائة وثمانين درجة بمجرد النجاح في ختم جوازات سفرهم بتأشيرة إلى بلاد ما وراء توطّن مثلث الفقر والجهل والمرض.

خطوة أولى
يواصل شادي في روايته التي بدأت بشيء من العادية: بعد التخرج قمت بتجديد جواز سفري الأخضر واستخرجت شهاداتي باللغتين الإنجليزية والعربية، وقمت بتوثيقها لدى الخارجية وبدأت بأخبار أسرتي بنية السفر إلى الخارج وبدأت في تجميع بعض المال من أهل الداخل والخارج.. مصر كانت وجهتي الأولى التي قصدتها بالطيران.. بعد وصولي هناك لم يكن صعبا عليّ أن التحم بمجموعة من السودانيين..أصادق بعضهم وأجلس في المقاهي والمطاعم التي تعتبر أماكن تجمعات لهم وأختار من بينهم أصدقاء ومرافقين.. أصدقك القول أنني، وحتى وصولي إلى هناك لم تكن لديّ خطة واضحة ومعروفة لكن جلسات السودانيين وتواصلهم هناك وغيرهم وتبادل الخبرات في شأن الهجرة والإقامة في داخل مصر قادني إلى محطة أولى مهمة.

مفوضية اللاجئين
ذهبت إلى مكتب المفوض السامي للاجئين في أطراف القاهرة.. رأيت زحاما كثيفا من جميع أقطار أفريقيا.. خصوصا من شرقها.. فالأثيوبيون والأرتريون والصوماليون كانوا خليطا من الرجال والنساء والاطفال، أما السودانيون فغالبيتهم من الرجال الشباب.. جهزت أقوالي ومبرراتي لطلب التهجير إلى هناك، وبدأت الزحف على النافذة الصغيرة التي تطل على الشارع مع صف من النوافذ الأخرى.. اخترت التضييق السياسي وانعدام الحريات قصة أجبرتني على البحث عن وطن بديل، فسحنتي وشكلي إلى حد كبير يمنع تصديق رواية معاناتي من حرب درافور.. ذلك المبرر السهل والمنطقي المقنع لدى موظفي المفوضية طوال الفترات السابقة.. الموظف المسؤول بالمفوضية تضامن معي بشكل أذهلني.. في زمن قصير تمّ اعتمادي لاجئا يحمل بطاقة وتدفع له المفوضية السامية للاجئين دعما شهريا.. أجرت شقة متواضعة لوحدي بمنطقة أرض اللواء التي تقيم فيها أعداد كثيفة من السودانيين حيث مكثت قرابة العامين على هذا الحال، معتمدا على الدعم الشهري والهبات التي يرسلها لي أقاربي المنتشرون في بقاع العالم المختلفة على فترات متقطعة حتى أحقق حلمي بالعبور إلى الخارج.. إلى بلاد المال والثراء.

مرافق جديد
في منطقة العتبة بوسط القاهرة، المكان الذي تكثر في نواحيه أنواع من البضاعة والملابس الرخيصة وتكثر فيه ملتقيات السودانيين هنا وهناك فيها، تعرفت على صديق جديد قال لي إن أصوله تعود إلى دارفور وإنه مولود بالخرطوم ولم يطأ أرضها في يوم من الأيام وإنه جاء مؤخرا جدا إلى مصر والآن يبحث عن سكن يؤجره..عندها لم أفكر كثيرا في التبرع بمقترح مشاركتي في شقتي المتواضعة بأرض اللواء على أن نتكافل في توفير مستلزمات حياتنا الأخرى بما يمكن أن يساهم به.. وافق على الفور ومنذ تلك الساعة صرنا وحدة واحدة نتحرك سويا ونسعى للخروج الهجرة مع بعضنا البعض، بل إننا لم نفترق إلا نادرا جدا.

نقطة تحول
عندما تعمقت في العلاقة مع مرافقي الجديد عرفت شيئا غيّر مجرى خططي وتحركاتي بشكل كامل.. مرافقي له أخ استطاع التسلل إلى اسرائيل قبل سنتين وأصبح مقيما بها وهو الآن بدأ تحركات للحاق بأخيه هناك.. أنا شخصيا ترددت كثيرا، وسرت في جسمي رعشة من الخوف من هذه الفكرة ذات النتائج المجهولة فلقد نشأنا من الطفولة وعبر مناهج التربية الإسلامية والتاريخ على أن إسرائيل هي مستودع الشر وهي المعتدية على حرمات وشعائر المسلمين في القدس وفي فلسطين.. صحيح أننا في ملتقيات السودانيين سمعنا الكثير من قصص تسلل السودانيين إلى إسرائيل ومقتل وإصابة وحبس الكثرين منهم وهذا نفسه كان من الأشياء التي جعلت الخوف يتملكني من فكرة الذهاب إلى إسرائيل.

تواصل وقرار
رفيقي صار أكثر جدية في اللحاق بشقيقه هناك، وكنت أسمع اتصالاته مع من هناك باستمرار.. بتوجس بدأت التفكير الجدي في مرافقة صديقي في هذه الرحلة الخطرة غير مضمونة العواقب.. بدأت أغرق في البداية الفعلية للتنفيذ وصرت أتصرف معه كمتسلل لا متفرج.

دليلنا البدوي
الشقيق من مهجره بالناحية الأخرى في إسرائيل أعطانا رقما يخص رجلا من بدو سيناء يمارس تهريب الراغبين إلى إسرائيل بشكل احترافي وبشبكة كبيرة ومحكمة، البدوي قال لنا (فقط عليكما الاتصال بنا أول وصولكم إلى مدينة العريش في شبه جزيرة سيناء.. بدأت جديا في تصفية حاجياتنا هناك وحولنا الشقة الى مجموعة جديدة من السودانيين ودفعنا بباقي متعلقاتنا وأساسنا وملابسنا إليهم فالوصية المهمة كانت أن نذهب إلى هذه المغامرة فقط بأقل حمولة وأن نركز فقط على ملابس ثقيلة تقي من البرد.. .سألنا من موقف مواصلات العريش فعرفنا أنه بمصر الجديدة. وقد كان أن ركبنا الاتوبيس ركابا عاديين.. مجموعات من المصريين من أهالي القاهرة من موظفين ومعلمين وغيرهم صاحبوا الغالبية العظمي من أهالي شبة جزيرة سيناء ذوي السمت الظاهر والملابس المميزة للنساء والرجال.

بداية الشعور بالخطر
كانت وصية البدوي لنا هي عدم الارتباك أمام الجنود الذي يصعدون إلى المركبة من أجل التفتيش واجتهدنا في تطبيق وصيته إلى حد كبير.. أنا شخصيا كنت أكثر شعورا بالخوف من التفتيش نسبة لسحنتي السمراء الأقرب إلى سحنات بعض المصريين من أهالي العريش نفسها أما صديقي ورفيقي فقد تجاوز المعابر بنجاح وبقليل من الخوف.. في آخر المعابر وأخطرها يعبر الاتوبيس إلى قنطرة تربط بين ضفتي قناة السويس عند مدينة العريش.. في هذه النقطة يصعد الضباط لمراجعة أوراق الغرباء تذكرنا وصية البدوي لنا بأن نقول إننا جئنا للعمل في العريش في أحد المقاهي.. المهم عبرنا بسلام من النقطة التي تعتبر حدا فاصلا بين الواقع والحلم.

الطريق البديل
البدوي أخبرنا بطريق بديل يمكن أن نتجاوز به التفتيش الدقيق لعابري قنطرة العريش وهي الهبوط من أوتوبيس العريش قبل نقطة التفتيش بمسافة معقولة.. لنجد مجموعة اخرى تمارس التهريب الأصغر إلى داخل العريش عبر المراكب واللنشات وهي مهرب تستعين به المجموعات ذات العدد الكبير من المهاجرين أو الآخرين من ذوي النوايا الاجرامية التي تصل إلى حد تهريب المخدرات أو السلاح وغيرها. لكن أنا ورفيقي لم نكن نحتاج إلى هذا الخيار الصعب فقد عبرنا بسلام ووصلنا الى داخل مدينة العريش حيث سارعنا بالاختباء خلف اثنين من كراسي أحد مقاهيها وطلبنا طعاما وشايا ريثما يهدأ روعنا ويجد رفيقي فرصة يعلم بها البدوي بوصولنا حتى يأتي لاستلامنا ونبدأ الخطوة الأخرى الأكثر خطورة.

صحيفة التيار

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *