الأمة حزينة باكية.. شيخ أبو زيد وداعاً أيّها الإمام؟!..وقيع الله حمودة شطة

كنا جلوساً في قاعة الاجتماعات داخل مقر الصحيفة «الإنتباهة» أنا والأخوان الكريمان.. الاخ كمال حامد الإعلامي الرياضي المعروف والأخ محمد سيد أحمد الطيب مدير التحرير نتناقش مع الأخ كمال حامد في قضية رياضية، بينما كان الأخ المطيب يكتب مقالاً ـ كما يبدو لي ـ وفجأة حدق الأخ كمال في رسالة اقتحمت هاتفه.. هزّ رأسه مرتين ثم قال الله.. شيخ أبوزيد توفي  الله يرحمه، الدفن الساعة ستة.. قلت له كيف عرفت ذلك؟ قال وصلتني هذا الرسالة الآن.. على غير عادتي في مواقف موت الأحباب والأقارب السابقين لم تدمع عيناي.. لحظتها وكأني بمنادٍ قام داخل نفسي يقول نعم مات شيخ أبو زيد.. ثم ما لبثت إلاّ قليلاً حتى غشتني حالة من الهدوء والسكينة ملبدة بفرحة قلت في نفسي إن يمضي إلى الله شيخ أبو زيد إمام أئمة دعاة التوحيد في بلادنا، فعزاؤنا في فقده الجلل نشهد ونحسب أنه قد مات على سنة الإسلام لم يحد.. مات مدافعاً وداعية يذب في كل أحواله عن المنهج النبوي في الدعوة، لا يعرف الخلود والركون والاستسلام والمداهنة في الباطل مهما عربد وطغى وصرخ.. تمثلت هذه المعاني فغلب في نفسي دافع الاطمئنان إلى مصير الإمام الداعية «الحبر» الذي كان مشّاءً بين الناس، موّاراً في سعيه وحركته بين المساجد والزوايا والحلقات والمناسبات في المدائن والأرياف والقرى والفرقان، حاملاً لواء العروة الوثقى يحدث الصغير والكبير بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يمل ولا يفتر أبداً.
شيخ أبو زيد ـ الوالد الجليل ـ رحمه الله تعالى ـ لم يكن مشاءً جوالاً في السودان فحسب، بل منذ أن أنهى دراسته في الأزهر بمصر ثم يمم وجهه شطر السودان منذ أكثر من نصف قرن، حيث مولده وموطنه، ظل مسافراً في سبيل الله يدعو إلى الله على بصيرة وحكمة وفطنة لا يلبث الاّ قليلاً، ليبدأ رحلة جديدة داخلية كانت أو خارجية.. تجول في السودان القديم في شماله وغربه وشرقه وجنوبه ووسطه، ومضى في أدغال إفريقيا، ودعا في بلاد السعودية والخليج وآسيا وأوروبا.. ومن أشهر محاضراته التي شهدتها قبل «15» عاماً محاضرة بعنوان «اوروبا التي رأيت»، حين قال رأيت بهائم في صور بشر، وذلك حين تحدث عن الإباحية والمظاهر السالبة في أوروبا.
رأيت شيخ ابو زيد وعرفته عندما اتممت دراستي في المرحلة الثانوية العامة «المتوسطة» سنة 1993م عندما توجهت إلى مدينة الحصاحيصا في ولاية الجزيرة قادماً من جنوب كردفان، ونحن في تلك المدينة الجميلة ـ وما تلذذت بصباح عند الشروق أجمل من صباح مدينة الصحاحيصا الراقدة بين النيل الأزرق شرقاً والكنار «ترعة ضخمة» غرباً، يغشاها نسيم عليل من مشروع الجزيرة وامتداد المناقل حيناً من الغرب والشمال الغربي ونسائم حقول قصب السكر في الجنيد ورفاعة حيناً من الشرق والشمال  الشرقي.. فيأتي صباحها جميلاً عليلاً.. الحصاحيصا فيها معانٍ للتعايش بين مكونات أبناء السودان المختلفة «نادرة».. في تلك الأيام ملأ ساحة المدينة خبر قدوم الإمام الراحل رحمة لله ـ إلى المدينة لإقامة محاضرة ضمن سلسلة من المحاضرات كانت في اطار الاسبوع الدعوي في حي المزاد بالحصاحيصا، ومن كثرة الناس يومها أقيمت المحاضرة على ساحة السكة حديد.. ونحن على أعتاب الثانوية العليا كانت نفوسنا متحمسة مشرئبة إلى تلمس طريق المعارف في مناحٍ مختلفة في الدعوة والثقافة والرياضة والمعالم الحضارية.. عقدت العزم صُلباً ان اسجل حضوراً مبكراً وقريباً من الشيخ الذي ملأ ذكره أسماعنا.. حضرت مبكراً وجلست، فإذا أنا أمام أسد يزأر.. والحق أقول ـ لقد أودع في نفسي كلمات مؤثرات ما خرجت من قلبي إلى يومي هذا.. كان سلساً حديثه، قوي الحجة والاستشهاد، مرحاً ملحاً مزحاً في غير مبالغة، كلامه يشعرك باستعداده التام للتضحية والدفاع حتى آخر رمق عما يدعو إليه من مبادئ وأهداف.
كان يعجبني منهج الإمام الداعية أبو زيد ـ رحمه الله ـ في التصدي للباطل وطريقة عرضه «المتفردة» في الإقناع والحوار والمجادلة .. في مرحلتي الثانوي والجامعة اتصلت به كثيراً ووردت عليه كثيراً، وتعرفت عليه عن قرب، وجمعت بيني وبينه مجامع ومواقف وثقت الصلة وأصرتها، وكان يمازحنا أحياناً حين نلتقيه فيقول لي «أنت شطة» «أنت سكر» كان قارئاً جيداً ومتابعاً ممتازاً لـ «الإنتباهة» وما ينشر فيها، كان متحمساً ومنفعلاً بخطها التحريري.. زارها أكثر من مرة وأشاد بها مرات كثيرة.
الإمام الراحل داعية التوحيد العظيم ـ الشيخ أبو زيد محمد حمزة كان شجاعاً في قول الحق يشعرك بأنه يملك صفة أبوة عامة لكل أتباعه ومحبيه وطلابه، عاش في منزل متواضع جداً.. أساس وأثاث.. ما رأيت شيخاً ـ قط ـ في عمره وقد ناهز التسعين يتمتع بقوة وحماس وطاقة مثله!!.. والله الذي لا إله إلاّ هو.. وهو الذي يبدو عليه المشيب، بل الهرم وهدوء الحركة عند المشي، إذا صعد المنبر أيقظ النيام وأبكى القساة، وأضحك المتجحمين الجفاة، تفغر لكلمته الأفواه، وتصغي لنبرة صوته الحادي الهادي القوي الأسماع، ولا تسألني في نهاية محاضرته ودرسه وخطبه عن سيل الشكر والحمد والثناء عليه من الحاضرين على اختلاف مدارسهم المنهجية والفكرية.
الإمام داعية التوحيد الكبير شيخ ابو زيد امضى اكثر من نصف قرن في حقل الدعوة، وتحمل أذىً وشتماً وضرباً واعتقالاً وهجراً، بل وتطاولاً حتى من بعض من كان يجلس بين يديه يتلقى الدرس والعلم، غير أن الكبير كان كبيراً.. كبيراً في العفو والصفح والإحسان وحسن المداراة وجميل الصبر، وكان بحراً لا تكدره السواقط والشوائب، بل العظائم، وما غطت  جنبات ضفافه وشواطئه الطحالب لتغطي درره وأحجاره الكريمة.  كان شيخ أبو زيد كثير الحرص على وصية تلاميذه وأتباعه ومحبيه بعظام الأمور وأصول الديانة.. التمسك بالتوحيد والدعوة إليه.. الأخذ بمنهج النبوة والسلف الصالح والجهاد فيه.. مساندة الوالي «المسلم» «الرئيس» والدعوة له بالخير والتمكين وإصلاح الحال مهما كان حاله.. مواجهة الحركة العلمانية والتصدي لها بقوة وإظهار عزة الإسلام ودعوته..النصح للإخوان  والمسلمين ونصرة منابر الدعوة والدفاع عنها .. وحدة جماعة المسلمين والتمسك بحسن التربية والتصفية وعدم الركون إلى غرور الدنيا وملهاتها. كنت على حافة قبره عند موارة جثمانه الطاهر المبرأ من «الشرك والبدع والغلو» الثرى  في مقابر أحمد شرفي بالثورة إلى جوار زوجه التي مضت قبله، وكانت إحد ابتلاءاته في سنيه الأخيرة.. تعجبت.. كاد الناس يقتتلون على حفرة قبره، حيث دفن في مكان متواضع مثل غيره من عوام الناس، وخلت مراسيم تشييعه من مظاهر الترف و «البرتوكول»، وحمل على «عنقريب» متواضع لم يتحمل تدافع الناس والشبان من طلابه «فانكسر»..!! لكن سيل الدعوات في الصلاة عليه في مسجده في الثورة الحارة الأولى «الحديقة» وعند مواراة الجثمان استفتاء حقيقي وصادق أن الشيخ أبو زيد محمد حمزة ـ رحمه الله كان كبيراً في تلك القلوب.. كل القلوب.. ويظل حاضراً في تلك القلوب إلى ما شاء الله، ولذلك ـ كما ذكرت ـ في هذا المقال جمدت  عيناي وهدأت نفسي عند سماع خبر وفاته، غير أن عيناي جادتا بدمع غزير حين اقتربت من قبره وأدركت بيقيني أن هذا القبر سوف يقبر فيه بعد قليل  شيخ أبو زيد.. أبو عبد الرحمن.. لكن عزاء النفس كان أن الإمام قد مات على سنة الإسلام رافعاً لواء التوحيد.
حضر السيد رئيس الجمهورية ونائبه الأول وعدد من العلماء والدعاة وكبار الشيوخ وأئمة المساجد والطلاب والأتباع  والوزراء في وفد عظيم قلّما ترى مثله.. ولم أر مثله إلاّ عند تشييع الشيخ محمد سيد حاج ـ رحمه الله تعالى ـ الذي هو «جده» وألقى عند تشييع الإمام الداعية شيخ أبو زيد ـ رحمه الله ـ الشيخ الدكتور محمد الامين اسماعيل الذي بدأ الحزن حتى على إمامته خطبة صبّرت وهوّنت من هول المصيبة، حين قال لا مصيبة أعظم من فقد رسول  الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم أثنى على شيخه، وأكد أن آخر وصاياه أنه كان يوصي الناس بالتزام التوحيد والدعوة إليه ـ وبدأ ابنه الأكبر عبد الرحمن متماسكاً محتسباً، قال خير الحديث في رثاء أبيه، وزكى النفوس الدكتور عصام أحمد البشير بخطبة اعترف فيها بفضل الشيخ الراحل عليه وعلى الناس، قائلاً قضى الشيخ حياته منافحاً عن دعوة التوحيد الخالص، وأثنى الدكتور إسماعيل عثمان على الإمام الراحل خيراً، ودعا إلى توحيد صف الجماعة والسير على طريق الشيخ في الدعوة والدفاع عن الحق.. وعندما جيئ بابنه المعتقل عبد الرؤوف في حراسة مشددة ليشهد وداع والده محاطاً بعسكر السجون، وهو في قيده أمر السيد رئيس الجمهورية بإزالة قيوده حتى يتمكن من تلقي العزاء.. مقابر أحمد شرفي على اتساعها تحولت إلى كتل ضخمة من البشر وطغى الزحام بين الناس.. رجل يشيعه جمع من الناس كالذين رأيت لا يخشى عليه بإذن الله تعالى.. وثقتنا في الله كبيرة أنه سينزل عبده الذي أفنى نضارة شبابه وعصارة هرمه في الدعوة إليه.
اللهم يا أحد.. يا فرد.. يا صمد.. يا قيّوم  السموات وباسط الأرضين الغالب العزيز الحي المميت، أسألك باسمك الأعظم أن ترث هذا الوالد الكبير والإمام الداعية العظيم والمجاهد المقدام الأمين جنة الفردوس الأعلى في مقعد صدق عندك، وبارك اللهم في ولده وتلاميذه وطلابه وإخوته وأعينهم على الوحدة والتماسك والثبات على الحق والخير، وافسح اللهم المجال الرحب لدعوة الإسلام حتى مبلغ الليل والنهار، وأنت خير مسؤول ومعين.. الأمة حزينة باكية بقدر ربها راضية.. ولمثلك يا شيخ أبو زيد تدمع العين ويعظم المصاب، وتتقطع نياط القلب، ويتضخم في النفس الحزن والأسى، ولا نقول إلاّ ما يرضي خالقنا وربنا، وإنا لفراقك لمحزونون يا إمام دعاة التوحيد في السودان.

 

 

الانتباهة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *