الطيب مصطفى : عندما تتجاوز وزارة الصحة الاتحادية الدستور!

الطيب مصطفى : عندما تتجاوز وزارة الصحة الاتحادية الدستور!

عجبتُ أن تغرق وزارة الصحة الاتحادية في (شبر موية) وتخرج على الدستور، ذلك المسكين الذي يشكو ليل نهار من هوانه على كل صاحب سلطة والملطشة الذي لا حول له ولا قوة ولا سيادة في ظل فوضى ضاربة الأطناب تخلط الحابل بالنابل ولا تجد من يكبح جماحها أو يحد من سلطانها.
وزارة الصحة الاتحادية في ظل صراع محتدم يحركه أصحاب المصالح ومراكز القوى تعمد بدون أن يطرف لها جفن إلى مصادرة سلطة ولائية منحها الدستور وأفتى بها المحامي العام لجمهورية السودان منذ سبتمبر 2012م، وليت الأمر اقتصر على ذلك كما سأُبيّن.
المحامي العام قال في فتواه حول جدل ثار في ذلك العام (2012م) إن دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005م، والذي أسس لنظام الحكم اللامركزي حدد اختصاصات حصرية يمارسها مستوى الحكم الولائي ونصَّ على أن من اختصاصات الولايات (إنشاء وتنظيم وتوفير الرعاية الصحية بما في ذلك المستشفيات والمؤسسات الصحية الأخرى)، ثم مضى إلى القول إنه (لم يرِد أي نص بشأن مباشرة المستوى القومي لأي صلاحيات تتعلق بالرعاية الصحية بما في ذلك المستشفيات والمؤسسات الصحية الأخرى).
رغم ذلك فقد قام المجلس القومي للسموم والصيدلة بسحب صلاحيات وزارة الصحة بولاية الخرطوم في الإشراف على صيدلياتها بل إن المجلس ويا للعجب سحب تلك الصلاحيات ليباشرها بنفسه في جهل فاضح لدوره الرقابي والتنظيمي.
المجلس القومي للسموم والصيدلة أيها الناس جهاز تنظيمي مثله مثل بنك السودان الذي يعمل في الرقابة على الصناعة البنكية ومثل الهيئة القومية للاتصالات في دورها التنظيمي لقطاع الاتصالات.
صدر قانون الأدوية والسموم لسنة 2009م إنفاذاً لأحكام الدستور القومي لسنة 2005م، وحدد دور المجلس القومي للصيدلة والسموم بأن (المجلس هو السلطة القومية المختصة بوضع المواصفات والضوابط والشروط الخاصة بعمليات الاستيراد والتصنيع والرقابة والتخزين والتسعير والترحيل واستعمال الأدوية ومستحضرات التجميل وكل المستلزمات الطبية والمستحضرات الصيدلانية حسب المواصفات المعتمدة)، كما نصّت مادة أخرى على (وضع التنظيم والضوابط والشروط اللازمة لممارسة المنشأة الصيدلانية للعمل المرخَّص لها به واستمرارها في ممارسة العمل)، بل إن القانون حذف المادة الخاصة بترخيص المنشآت الصيدلانية في قانون 2001م والمادة المتعلقة بسلطة المجلس في إلغاء الترخيص فهل بربكم يحق لوزارة الصحة الاتحادية بعد ذلك التدخل وفرض إرادتها على السلطة الولائية الخاصة بترخيص المنشآت الصيدلانية داخل الولاية؟.
إذن فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب فكيف بربكم تقوم وزارة الصحة الاتحادية بدون الرجوع إلى أي استشارة قانونية أو حتى الرجوع إلى الوثائق التي صدرت قبل ذلك حول الأمر وترتكب هذه (الجليطة) بدون أن تستوثق ناسية أنه لا يصح في نهاية الأمر إلا الصحيح وأن ولاية الخرطوم وغيرها من الولايات لن تسكت على التعدي على سلطتها؟.
لذلك لم أستغرب أن يزأر والي الخرطوم د. عبد الرحمن الخضر ويغضب ويزمجر رغم أن ذلك ليس من طبعه، فقد شعر بتجاوز خطير وعدوان على سلطاته الدستورية وحق له أن يقول إن وزارة الصحة بولاية الخرطوم تمارس سلطاتها تجاه تنظيم عمل الصيدلة والسموم وفقاً للدستور والقانون الولائي وحق له أن يسخر من حرمان الولاية من ترخيص الصيدليات التي لا تختلف عن أي محال تجارية أخرى.
نعم، فقد مضى دستور ولاية الخرطوم في ذات اتجاه الدستور القومي ونصَّ على اختصاصات الولاية على النحو التالي: (إنشاء وتنظيم وتوفير الرعاية الصحية بما في ذلك المستشفيات والمؤسسات الصحية الأخرى)، وصدر قانون الصيدلة لولاية الخرطوم لسنة 2012م ليحدد اختصاصات مجلس الصيدلة الأمر الذي جعل الدكتور عبد الرحمن الخضر ووزير الصحة الولائي بروف مأمون حميدة يرفضان ما صدر عن المجلس القومي للسموم والصيدلة باعتباره مخالفاً للدستور وللأسس التي قام عليها الحكم الاتحادي.
ثمة نقطة أخرى لا تقل أهمية وهي لماذا ولاية الخرطوم تحديداً وإن كان لوزارة الصحة الاتحادية هذه السلطة لماذا لم تقم بسحب هذا التفويض من الولايات الضعيفة التي لا يتوافر فيها معشار ما يتوافر لولاية الخرطوم من إمكانات وقدرات رقابية؟!.
ثم نأتي إلى قانون صندوق الإمدادات الطبية لسنة 2015م وأجدني حزيناً للغاية للظروف الغريبة والمريبة التي اقتضت إصداره بمرسوم جمهوري بعيداً عن البرلمان، ولكن بالله عليكم هل نحن دولة يا مصطفى عثمان تسعى إلى جذب الاستثمار والمستثمرين ونحن ندوس على كل محفِّزات الاستثمار ونطأ على عنق القطاع الخاص من خلال إنشاء مؤسسات حكومية محمية من الدولة تحظى برعايتها وترضع من ثديها بينما ترمي المستثمرين في اليم مكتوفي الأيدي ومعصوبي الأعين وتطلب منهم منافسة تلك المؤسسات المحمية والمتخمة من أثداء الدولة؟!.
إن واجب المجلس القومي للصيدلة والسموم توفير المنافسة الحرة والعادلة بين جميع المؤسسات والشركات العاملة في مجال الأدوية، أما أن يكون صندوق الإمدادات الطبية متمتعاً بإعفاءات جمركية وممنوحاً أراض من الدولة وامتيازات أخرى كثيرة فإن من شأن ذلك أن يحطم شركات القطاع الخاص ويضعف إنتاج الصناعات الدوائية.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *