عبد الباقي الظافر : بائعة الشاي..!!

أوقفت سيارتي الهوندا الزرقاء أمام متجر (for kids) المتخصص في بيع لعب الأطفال ..غدا سنحتفل بعيد ميلاد صغيرتي داليا..في هذه اللحظة رن هاتفي.. مكالمة من دبي..أغلب الظن أن فوجا سياحيا قادم..كنت أود أن أتفرغ لزوجتي أم كلثوم وابنتي..ولكن المتصل الهندي يعيد الاتصال..ليس هنالك خيار سوى الإذعان لسلطان المال.. نزلت زوجتي وابنتي من العربة .. لم تمر سوى دقيقة وأنا منكفئ على الهاتف ..سمعت صوت ارتطام قوي..سيارة تدهس صغيرتي وأمها..لم أقو على مشاهدة التفاصيل ..وضعت كلتا يديّ على رأسي.
تجمع عدد من الأصدقاء في مشفى المدينة التخصصي ..بعضهم يحاول صنع صورة خيالية متفائلة لصحة زوجتي التي دخلت عملية جراحية وطفلتي التي في الإنعاش ..شقيقي مازن كان يمسك بمصحف صغير..أهل زوجتي تكوموا بعيدا تحت شجرة نيم كأنهم يعترفون بالفوارق الطبقية بيننا وبينهم..كل آمالنا معلقة بين يدي طبيب جراح وآخر اختصاصي أطفال ..سيطر عليّ إحساس بالتشاؤم..هذه القصة الرائعة لن تنتهي نهاية جميلة..سرحت بعيدا ..أربع سنوات مرت بسرعة خيالية.
ما زلت أذكر التفاصيل ..الساعة الحادية عشرة صباحا..خرجت من مكتبي للبلكونة لأدخن سيجارة..كنت لحظتها أتباحث مع وكيل شركة طيران ..حينما جذبت النفس الثالث من سيجارة البنسون سمعت جلبة وضوضاء بالقرب من شجرة النيم التي تشمخ أمام البناية التي تحتوي مكتبي..كانت أم كلثوم بائعة الشاي تصارع موظف المحلية على (كفتيرة) شاي..حينما انحسر الثوب عن رأسها وكشف عن صدر رائع..استسلمت بائعة الشاي وتركت السلطان يظفر بالجولة ..وجدت نفسي لا شعوريا أركض ..وصلت إلى الموظف الذي كان وقتها قد اقترب من دفار (الكشة) ..نزعت منه (الكفتيرة)..نشب بيننا صراع تحطمت نظارتي الطبية الأنيقة ..انتهى الأمر ببلاغ في الشرطة اعتقلت على أثره بتهمة منع موظف عام من أداء عمله.
أنا من وراء القضبان جاءت أم كلثوم لتزورني..كانت تدس في صدرها الجميل علبة سجائر بنسون..أخرجت الجميلة العلبة بمهارة ورمتها في جيب قميصي..كانت تلك المرة الاولى التي أنظر إليها من قريب..كانت بجمال البدويات اللائي أراهن في رحلات الصيد مع زبائني من الخليج..لم تكن زائرتي تتقن الكلام وربما كانت تدرك المسافة الفاصلة ما بين مكتبي الأنيق في برج الأحلام ومجلسها البسيط تحت شجرة النيم..اكتفينا بالصمت وتبادل النظرات..إنها الفتاة التي أبحث عنها منذ خمسة عشر عاما..آه ربما سمع ملك كريم لدعوات أمي هذا الصباح أن يرزقني الله الزوجة الصالحة.
لم يكن الأمر يسيرا بأن أقنع أسرتي وأصدقائي بالزواج من أم كلثوم بائعة الشاي..كانت الخطوة الأولى أن أنقلها إلى العمل في فرع شركتنا في أم درمان ..تعبت معها حتى تعلمت التعامل مع الحاسوب ..التحول لموظفة لم يكن يسيرا لفتاة أنهت تعليمها بالصف الاول من المدرسة الثانوية..دخلت أم كلثوم سوق العمل بعد أن عجزت أمها عن إعالة البيت بعد أن هرب والدها من تحمل مسئولية إعالة اسرة مكونة من ستة أفواه .
في ظرف عام تمكنت أم كلثوم من الانتقال من فتاة بدوية الى موظفة أنيقة..ساعدت أسرتها في شراء بيت في السكن الشعبي قبل مراسم الزواج..في يوم عقد القران جاء أعمامها وأخوالها من النيل الأبيض ..شعرت لحظتها أنها( بت قبائل )..بعد أن أنجبت داليا طلبت منها التفرغ لرعايتي وطفلتها الصغيرة..لم تقل لى سوى أنها تحب عملها الجديد ولكنها تحبني أكثر.
فجأة وقف أمامي شقيقي مازن..كانت الدموع تملأ عينيه..ضمني بمودة وبدا يبكي بصوت مسموع ويصرخ “ماتت أم كلثوم يا عماد”..لم أكن لحظتها قد استوعبت عبارته وحين استوعبتها لم أصدقها ..صرخت فيهم :أنتم كاذبون!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *