داليا الياس : وضاء وخواء

داليا الياس : وضاء وخواء

ليس كل ما يلمع ذهباً.. فحالما اقتربت ربما تكتشف أنه كان لمعاناً زائفاً لمعدن رخيص لم يكن يستحق حتى عناء ذلك الاقتراب. هذه القاعدة الحياتية المثبتة بالتجربة تنطبق أحياناً على البشر.. فتجد نفسك ذاهلاً أمام أحدهم كونه لم يكن كما كنت تظن فيه.. وأن ذلك الانبهار الذي كان يعتريك تجاهه لا يعدو كونه انبهاراً زائفاً ليس له ما يعززه!! إن المسافات تحفظ ذلك الانبهار نسبياً، حتى إذا ما سقطت تلك المسافة تعرت الحقائق وانكشفت الوجوه الحقيقية للزائفين. الأزمة الحقيقية تكمن في أن معظم هؤلاء هم في العادة نجوم.. سواءً في الفن أو الرياضة أو السياسة أو الإعلام أو المجتمع! يلفهم الوضاء من كل جانب.. ويتمتعون بهالة من الجمال والوقار.. ولكنهم في الحقيقة – ونحن منهم – ليسوا كذلك فعلياً.. إنهم كالآخرين.. بضعفهم وشرهم وأوجاعهم وطمعهم وطباعهم الغلابة التي قد لايصمد أمامها جدار (البرستيج) طويلاً!! بل أن بعضهم لا يزيده ذلك الوضاء والسلطة والشهرة إلا جحوداً وأنانية وبرود. وفي كثير من الأحيان يتوقع المجتمع من أولئك الوضيئين الكثير من النبل والتسامح والمثالية.. وينتظرون منهم ردود أفعال قد ترفعهم إلى مصاف الملائكة.. وهم بالضرورة يا سادتي بشر.. بكل ما للبشر من هنات في صراعهم الأزلي بين النفس الأمارة بالسوء وتلك اللوامة، حتى يجدوا أنفسهم بغتة وقد تحولوا إلى نفوس مطمئنة صعدت إلى بارئها لتتلقى كتابها أما بيمينها أو شمالها. توقعات الآخرين تسبب لنا الكثير من الحرج والألم.. فكونك كنت من الموفقين الذين اختصهم الله ببعض النجومية أياً كان مقدارها ومجابها، لا يجب أن يدفعك للتخلي عن طبيعتك الإنسانية.. لست مرغماً على ذلك.. فحالما حاصرت نفسك بقيود تلك النجومية النوعية ستضطر لأن تصبح شخصاً آخر غير الذي كنته.. وتقع في فخ النفاق والتلون.. مما يسبب لك ولمن حولك الكثير من المعاناة.. أبرزها ما تكابده من إرهاق نفسي كونك تحيا ضد طبيعتك.. وما يصيب الآخرين من خذلان حالما تسربت حقيقتك برغمك من فوق سورك العالي الوضيء!! عش بساطتك ودع الآخرين يعيشون حقيقتك التي لا تختلف عن حقائقهم كثيراً.. بالمقابل على المجتمع أن يرحمنا من قيود فرضياته المثالية وتوقعاته الإيجابية دائماً.. واعلموا أن ذلك الوضاء يكون خلفه أحياناً الكثير من الخواء.. فدعونا نحيا حقيقتنا المجردة حتى تتمكنوا من تحديد من يستحق محبتكم واحترامكم دون سواه.. هكذا ستصمد النفوس الراقبة الموهوبة.. وتتساقط النفوس الملونة الفقيرة للموهبة والمشاعر الإنسانية النبيلة.. هكذا فقط يمكننا أن نؤسس للمجتمع الصادق الشفيف الذي يمضي قدماً دون أن يلتفت للحكايات الوضيعة التي يكون أبطالها غالباً أولئك الكبار الذين في حقيقتهم صغاراً يتمرغون في الصغائر. تلويح: لا تقتربوا كثيراً.. فالمسافات تحفظ البريق، ولكن البريق لا يصمد طويلاً بوجه شمس الحقيقة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *