في بيت وزير الدفاع “كيف هو الحال للوزراء وزوجاتهم؟ “

في بيت وزير الدفاع “كيف هو الحال للوزراء وزوجاتهم؟ “

أميرة الجعلي ربما كانت روح الشفقة حاضرة، فإفادة سارة سيد أحمد، في فضاء استنطاقنا لها بدت وكأنها شكوى ضد نمط حياة وزير، أكثر من كونها سرد يوميات. لا تعبأوا بالتوطئة كثيراً، فكلنا نشكو تبعات العمل وإدارة الزمن، فكيف هو الحال بالنسبة للوزراء وزوجاتهم؟ نسيت أن أقول إن سارة هي عقيلة عبد الرحيم محمد حسين، والمؤكد عطفاً على هذه الصفة أنها واحدة من قلائل يستطعن انتقاد حركاته وسكناته لكونها شريكته في الحياة. تقول محدثتي: “عبد الرحيم يقوم لصلاة القيام، ويكون (لابس رسمي) يقرأ في المصحف، وعند أذان الصبح يخرج، بعدها يذهب إلى العمل. يعود عند الرابعة، ليرتاح قليلاً، ولا يتغدى حتى يستطيع المحافظة على الزمن، ويذهب مرة أخرى إلى المكتب ويرجع 11 مساء وينام.. حتى السبت بالنسبة له يوم عمل، أما في الأزمات فيبقى في المكتب لأوقات متأخرة من الليل وأحيانا ينام هناك”. لا يقتصر الأمر على أيام العمل و(السبت) المشار إليه، فحتى (الجمعة) وفقاً لإفادة نجوى، زوجة عبد الرحيم الثانية، هي يوم ضاج بالحركة، حيث يعج منزله بالضيوف والأهل من الشمالية وغيرها، كما أن معارفه الكثر حاضرون على الدوام، عليه فإن اليوم مخصص تقريباً لكل هؤلاء. تتجاوز محدثتي أيام الأسبوع العادية للحديث عن شهور العام ومناسباته الكبيرة، ففي رمضان حسب قولها تُعد الإفطارات تلو الإفطارات في المنزل التي يؤمها الأهل والأصحاب. تقول نجوى حول المسألة: “نحن مثلنا مثل أي بيت سوداني، منزلنا مفتوح للضيوف”، لذا فهو عندها أيضاً يوم عمل. يوميات القائم على سدة أهم وزارة سيادية تزدحم أيضاً بالكثير من المشاهد البعيدة عن البروتوكوليات والمراسم، تقول سارة حينما سألناها عن بعض التفاصيل الأخرى: “أحياناً عندما يدخل لا ينتظر أن نعمل له صينية بل بيمشي يفتح الحلل براهو ويأكل وهو واقف على حيلو”. وبلهجة يغلب عليها الحنين ربما لأيام خوالٍ، بعيدة عن أعباء الوزارة تسترسل بالقول: “كان في سابق عهده، يشاركني المطبخ، وينظف معاي المنزل، أما الآن فلا وقت لديه”.. جلستنا مع سارة وأبنائها كانت في دارها بحي المطار، فيما كانت ونستنا مع نجوى زوجة عبد الرحيم الثانية في منزلها بالخرطوم (3). كتوطئة متأخرة فإن العمل في مجمله هو محاولة لنصب الكاميرات حول أهل السلطة من زاوية (البيوت).. جلسنا إلى زوجات المسؤولين وأبنائهم بعد أن استأذنا أهل الدور في زيارة خاصة نبتغي من خلالها معرفة شخصية المسؤول، والطريقة التي يتعامل بها مع زوجاته وأبنائه، وهل تنعكس شخصيته السياسية على المنزل، أم يتجرد منها ويضعها في المكتب؟ لا نخفيكم، حفزنا على المضي قدما في هذه الزيارات -وربما قدح زنادها في المفتتح- الكثير مما ينشر عبر الميديا الجديدة، لذا لن تغيب عن التغطيات أي أحاديث متداولة من خلال مواقع التواصل من شاكلة تلك التي تتحدث عن أرصدة و”فلل” يمتلكها البعض في الخارج، مثلما لن تغيب عن التغطية أيضاً تساؤلات وصور المهور وما عداها من أمور. 1 * “تصريحات خطيرة” حسناً، سنعود بالسرد خطوة إلى الوراء، ففي البدء عندما يممنا وجهنا صوب منزل وزير الدفاع كنا نستهدف البيوت ذات البوابات الأمنية المشددة. توسمنا في إحداها هدفنا لكن تم توجيهنا إلى منزل آخر لا يوجد فيه غير عدد بسيط جدا من أفراد الحراسة. عرفنا أنفسنا ودلفنا مباشرة إلى صالون السيدة سارة سيد أحمد، التي يطلقون عليها اسم (سارة عبد الرحيم). المنزل عادي جداً، وبدت (ستّه) متواضعة وطيبة. أمضينا بعض الوقت بحضرتها تحفنا ثرثرة الملاعق والشاي اللطيف. تحدثنا أيضا مع ابنتها المهندسة (سلمى)، وكان بمعيتنا أبوبكر الابن الأكبر. إبان الجلسة دخل علينا الوزير بعد عودته من عمله، وبكل احترام ألقى علينا التحية ثم قال ضاحكاً لزوجته: (الليلة بتدلي بتصريحات خطيرة شكلك). 2 * في منزل “ست نجوى” خطوة إلى الوراء أكثر؟ لم لا؟! فقد كنا قبلها قد قصدنا منزل زوجة عبد الرحيم الثانية في الخرطوم (3). عند وصولنا بوابة المنزل وجدنا أحد أفراد الحراسة، تحدثنا معه وأخبرناه أن لدينا موعداً مع زوجة الوزير، فسألنا عن هويتنا، وبعدها بدقائق معدودات تم إدخالنا إلى الصالون. كان أيضاً عادياً ومتواضعاً. دخلت علينا الست نجوى. هي معلمة في مرحلة الأساس في مدرسة في الحلة الجديدة، وتعمل في التعليم منذ (15) سنة. رحبت بِنَا ترحيبا حارا وقامت بإكرامنا بالحلوى والعصير. نجوى هي أيضاً ابنة عم وزير الدفاع، وكانت متزوجة من شقيقه، حيث أنجبت منه ابنتين، وبعد وفاته بخمس سنوات تزوجها عبد الرحيم كما تقول. 3 * “قريب من أبنائه” تلخص نجوى في كلمات شخصية زوجها بأنه شخصية اجتماعية يحب الناس ويتواصل مع الأهل والأصدقاء. هو رجل دقيق في كل شيء ومنظم كما تقول وشخصيته العسكرية يتركها في مكتبه عندما يأتي إلى المنزل. عبد الرحيم بحسب نجوى قريب من أبنائه، ويسأل عنهم في المدرسة وغيرها، لكن وقته بسيط، وقبل النوم يناديهم ويجلس معهم خمس أو عشر دقائق. ليس لديه زمن لدخول المطبخ، وليس لديه فيه شيء مخصص؛ “بيأكل أي حاجة” كما تقول، قبل أن تضيف: “عموما هو إنسان مريح في الأكل، ونحن بنعمل ليهو الأكل البحبو بدون ما يطلبو”. 4 * “القراصة” بـ”ملاح الويكة” بالنسبة لسارة فإن عبدالرحيم رجل يتقي الله في كل حركاته وسكونه، لذلك معاملته طيبة ويقدر أي إنسان داخل المنزل ويحترم ضيوفه ويقف عليهم بنفسه ويخدمهم حافي القدمين. هو شخص متواضع في المنزل كما تضيف ومرتبط ارتباطاً شديدا بأبنائه، ويطعمهم في أفواههم ويضحكهم ويلعب معهم. سارة تقول بأن زوجها يفضل الإناث على الذكور. سارة كانت بين ثنايا وصفها تحدثنا عن أن زوجها لم يعد لديه زمن الآن، لكنها تستدرك بالقول أيضاً إن عبد الرحيم زمنه مبروك؛ في تربية أبنائه وتوجيههم، وفي عمله وعلاقاته الاجتماعية، فهو يذهب إلى أي شخص في كل شاردة وواردة ويواصل ضباطه في الشرطة والجيش ولا يتأخر عنهم بالرغم من مشغولياته. سألناها؛ هل يوجه الأبناء لوجهة تعليمية محددة ويناقش خياراتهم، فقالت: “أبدا لا يتدخل ويقول لأي منهم “حسب مؤهلاتك وميولك”. أما بالنسبة للطعام فتقول سارة عن زوجها إنه يحب القراصة بملاح الويكة، والملوحة. بين يدي ضحكتها كانت محدثتي تروي على لسان ابنتها الصغيرة آمنة مشادة دائماً ما تحدث بين الطفلة ووالدها. تقول سارة إن آمنة تشكو لوالدها نوعيات محددة من الأكل وتعاتبه عليها بالقول: “يا بابا أنت بتحب الحاجات الكعبة”، فيسألها “الحاجات الكعبة زي شنو؟” فتقول له “الكوارع والفسيخ والملوحة والقراصة بملاح الويكة”، فيرد عليها بالقول “أنا أكلت أكل العالم ده كلو مافي حاجة سمحة زي القراصة بـ(ملاح الويكة) و(الملوحة)”، فهو يحب هذه الوجبة لذا يحب أن يكرم بها ضيفه. 5 * تفرغ للعمل الطوعي سارة تمت لزوجها بصلة القرابة وقد جمعهما تنظيم واحد قبل الزواج. تخرجت في التربية جامعة الخرطوم، ولديها ماجستير في التربية، وعملت مدرسة علوم في المرحلة الثانوية حتى وصلت مرحلة موجهة في العلوم، وعملت في الوزارة الاتحادية في قسم تعليم البنات وتهتم بتعليمهن في جميع السودان، كما أشرفت على إصدار جريدة البنات في الوزارة، تطورت بعدها وأصبحت صحيفة التعليم، وتعتقد بأنها قد أدت مهامها بأحسن ما يكون. في راهن لحظتها أصبحت سارة متفرغة للعمل الطوعي فقط. عندما سألناها إن كان عبد الرحيم هو من طلب منها ذلك ردت ضاحكة: “أبداً لم يطلب ذلك، أنا أوجه نفسي بنفسي”. ذات الإفادة حول عدم تدخل الوزير في اختيارات أسرته كنا قد استخلصناها من ابنته سلمى عبد الرحيم، التي كانت حاضرة خلال المقابلة. تقول سلمى إن والدها “لا يفرض على بناته شخصية معينة للزواج”. 6 * الجمعة الجامعة سألنا نجوى، زوجة عبد الرحيم الثانية، قاطنة الخرطوم (3)، حول تربيتها لأبنائها، وهل تتدخل الصفة الوزارية في بعض التسهيلات والمزايا فردت بالقول إن تربيتهم بسيطة جداً وينشأون كأطفال عاديين. حتى في المدرسة بحسب محدثتي يكونون مع أصدقائهم وأقرانهم ويزورونهم في المنزل وعبد الرحيم نفسه حسبما تقول يحاول أن لا يجعل الأبناء متأثرين بوظيفته. سألناها إن كان الأبناء يذهبون إلى المدارس عبر ترحيل؟ فقالت: “لدينا سيارة المنزل يذهبون بها سواء إلى المدرسة أو أي مكان آخر”. عبد الرحيم كما علمنا يضج منزله بالضيوف خاصة وأن أهله من الشمالية يقومون بزيارته حتى يحل لهم مشاكلهم، ومعارفه كثر. يخصص الرجل يوم الجمعة لكل هؤلاء، وفي رمضان أيضاً تعد الإفطارات تلو الإفطارات. تقول نجوى حول المسألة: “نحن مثلنا مثل أي بيت سوداني منزلنا مفتوح للضيوف ويوم الجمعة مخصص لأصحاب الاحتياجات وكل من لديه طلب”، لذا فهو عند نجوى أيضاً يوم عمل، والقراصة هي وجبة سودانية مشتركة وهو يحبها. عندما سألناها إن كانت تعدها إحدى علامات التقشف ضحكت. 7 * الوزير ورسوم المدرسة سؤال الأبناء المشار إليه طرحناه على سارة فقالت: “منذ بداية التربية أفهمناهم أن والدهم ضابط في الجيش فقط ونحن من هذا المنطلق نتعامل، وابني عندما ألحقته بمدرسة العمارات المديرة قالت إلا ندفع قروش، قلت لها: نحن جيناك عشان ما ندفع قروش. فسألت عن عمل والده فأخبرتها بأنه ضابط في الجيش، وأنا معلمة زميلة، لكن أحمد ولدي الصغير قال لها: والدي أمين مجلس قيادة الجيش، فقالت: لن أقبلك إلا أن يأتي والدك ويسدد النقود، فقلت بعدها لعبد الرحيم: الولد ده ما حيدخل المدرسة إلا أنت تمشي، فذهب إليها وقال لها أنا مستعجل وعندي اجتماع وأنا حأديك رقم حسابي لو لقيتي 200 جنيه شيليهم، ومشى منها فاضطرت لتسجيله”! 8 * “بت الوزير” عندما سألنا سلمى ابنة الوزير عن عبد الرحيم الأب وحول مزايا لقب ابنة الوزير قالت: “هو أب سوداني مثله مثل كل الآباء؛ متفهم وحنون ومتداخل معنا، ونحن بناته لا يفرض علينا شيئا والتعامل معه سهل جداً. حتى ونحن صغار نادرا جدا ما كان يستخدم الضرب، ونحن لا نضع حواجز، وممكن أن نشاوره في كل التفاصيل في الدراسة، في العمل، وغيرها.. يستمع لنا وينصحنا ورغم انشغاله لكن ينفعل معنا في كل التفاصيل”، قبل أن تضيف بالقول حول ثمرات اللقب: “أنا لما دخلت الجامعة صديقاتي من الشهادة العربية لم يصدقن أنني ابنة وزير لأنهن جئن من دول فيها الوزراء مميزون لكن نحن في السودان نتعامل بشخصيتنا أكثر من أننا أبناء وزير، أبي ربانا إذا غلطنا لابد أن نعاقب وإذا مررت في الشارع وارتكبت خطأ ورجل المرور أوقفني لا أقول له إنني ابنة وزير بل أقف وأدفع غرامة وإذا (حبيت أحنِّك)، ممكن (أحنك) بزوجي، وأقول لهم إن زوجي زميل، وحتى في إطار العمل الكثيرون لا يعلمون أنني ابنة وزير، وإذا ذهبنا إلى أي مكان ننتظر بالساعات لقضاء حاجتنا وأحيانا نأخذ عدة أيام دون أن نستخدم امتيازات الوزارة. وحتى إذا ذهبنا إلى زيارة مريض ننتظر وقت الزيارة ولا نذهب في أي زمن

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *