التحدي والرهان: نظرة في جدول أعمال المرحلة المقبلة والقضايا على طاولة الحكومة الجديدة.. ما بعد اليمين الدستورية

الجدل الذي يسيطر على الساحة هذه الأيام حول المشاركة الخارجية في مراسم تنصيب الرئيس عمر البشير، كاد يغطي على التحديات والرهانات التي تنتظر البلاد عقب انتهاء المناسبة.

وتحفل الساحة السياسية في البلاد بالعديد من التحديات والرهانات، على أن تلك المسائل باتت اليوم تكتسب أهمية خاصة عقب مراسم التنصيب وأداء القسم للدورة الرئاسية الجديدة للرئيس عمر البشير، وهناك جملة من القضايا في انتظار الحكومة الجديدة: من الحوار الوطني إلى تحقيق السلام الشامل، ومن الإصلاح الاقتصادي إلى إصلاح أجهزة الدولة، ومن تحسين العلاقات الخارجية إلى البحث عن شراكات مع الدول الكبرى في عالم يقوم على تشابك المصالح.

السلام الشامل

ويأتي في طليعة الاهتمامات التي تسيطر على جدول أعمال الحكومة الجديدة تحقيق السلام الشامل، في المناطق التي تأثرت بالتمرد في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وبعد أن تمكنت الدولة وعبر الأجهزة النظامية المختلفة من فرض السلام بالقوة في بعض تلك المناطق كدارفور مثلاً، يبقى التحدي أمامها في المرحلة المقبلة استكمال القضاء على ما تبقى من جيوب لتلك الحركات إذا لم تقبل بالجلوس على مائدة التفاوض لإلحاقها بـ(وثيقة الدوحة لسلام دارفور) والاتفاقية التي وقعت في 14 يوليو2011م، باعتبار (الوثيقة) تمثل سقفاً لأي عملية تفاوضية تجرى لاحقا، بعد أن تم حل كافة القضايا التي تشكل أساس قضية دارفور، وعلى رأسها التنمية العادلة.

أما في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، فإن التحدي أمام الحكومة الجديدة يكمن في القضاء على التمرد هناك والانتقال بالمنطقتين إلى مراحل جديدة من التنمية والاستقرار لتعويض المنطقتين ما فاتهما من حظوظ التنمية المتوازنة باعتبارها حقاً مشروعاً لمواطني المنطقتين أسوة ببقية ولايات البلاد.

الشرعية الانتخابية

وأسفرت الانتخابات التي أجريت مؤخرا بروز قوى سياسية جديدة ربما تتطلع هي الأخرى للمشاركة في الجهاز التنفيذي، ويبقى التحدي الماثل هو كيفية تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة تضم الأحزاب الفائزة في الانتخابات حسب أوزانها، بحيث يتم ترسيخ مبدأ الشرعية الانتخابية كوسيلة للحكم البلاد، واستيعاب المكونات الأخرى، وفي ذات الوقت تتسم تلك الحكومة بالمرونة، بحيث تفي بمتطلبات قيام حكومة قومية متجانسة تستطيع تحقيق النجاح في كافة الملفات التي تنتظرها.

على أن تحدي قيام حكومة شراكة سياسية على قاعد عريضة يبقى التحدي الذي يواجه المؤتمر الوطني باعتباره “الشريك الأكبر”، وصاحب الأغلبية المطلقة على مستوى الهيئة التشريعية القومية والمجالس التشريعية بالولايات تؤهله للإنفراد بالحكم، ولكن المسؤوليات والروح الوطنية تتطلب توسيع (ماعون المشاركة) إلى ما وراء القوى التي قبلت بخوض الانتخابات، سواء تلك التي أحرزت نتائج أو لم توفق في الانتخابات، بحيث يصار إلى إشراك القوى التي تقبل مبدأ (الشراكة الوطنية).

إصلاح الدولة

وهناك تحدي إصلاح الدولة وخاصة تجربة الحكم اللامركزي، حيث تعمل لجنة شكلت داخل مجلس الحكم اللامركزي من أجل تقديم تصورات بشأن الإصلاح، والنقطة الجوهرية في عملية إصلاح الحكم الاتحادي الراهن كانت التعديلات الدستورية التي أعطت رئيس الجمهورية الحق في تعيين ولاة الولايات، بعد أن كان يتم انتخاباتهم من الشعب.

ويبدأ الإصلاح الحقيقي بفرض هيبة الدولة على كافة أنحاء البلاد، وجعل السلاح في يد الدولة وأجهزتها النظامية، وهذه النقطة ركز عليها الرئيس البشير لدى مخاطبته الكتلة البرلمانية لحزبه أمس الأول، وتكررت في أكثر من مناسبة على ألسنة المسؤولين.

ويرى مراقبون، ان الإصلاح المرتجى لن يكون ذا معنى ما لم يبدأ بفرض الأمن أولا ومن ثم وضع قانون جديد لتنظيم الانتفاع بالأرض، حيث تعتبر تبعية أو ملكية الأراضي من أكبر عوامل النزاعات القبلية.

التعافي الاقتصادي

ويعتبر الملف الاقتصادي أبرز التحديات المتوقعة، لأنه الملف الذي تتوقف عليه بقية الملفات، فالقدرة على تعبئة الموارد الوطنية، وخلق شراكات فاعلة وتطوير القدرات الإنتاجية من خلال تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني، وبشهادة الخبراء الاقتصاد والمؤسسات الاقتصادية ورغم التداعيات السالبة لانفصال جنوب السودان، إلا أن الاقتصاد السوداني تعافى بمعدلات وسرعة أكثر مما كان يتوقع، خلافا لتجارب الدول الأخرى التي مرت بهزات اقتصادية كادت تعصف بتلك الدول وبحالة الاستقرار فيها.

وفي المقابل، يكمن تحد آخر، وهو يتعلق بالملف الاقتصادي، ويتجسد في محاولات بعض الدوائر المعادية للسودان لفرض حصار ومقاطعة عليه لمنعه من الاستمرار في الأداء الاقتصادي الجيد، وذلك بوصم المعادن – التي غدت بديلا اقتصاديا ناجعا للنفط – بأنها ملوثة بدماء الصراعات القائمة، وهي محاولات تقوم بها اللوبيات التي راهنت على حدوث انهيار اقتصادي يمكن أن يقود إلى تحقيق ما تصبو إليه هذه الدوائر.

النزاع القبلي

ولكن ملف السلام لا يكتمل إلا بالتصدي لجذور ومسببات الاقتتال القبلي والذي بات يشكل تهديدا كبيرا للتماسك الاجتماعى ويتسبب في إفقار المواطنين بسبب الآثار المدمرة لتلك الصراعات، كما أنها تعطل التنمية، بجانب إضاعة فرص النمو والازدهار الاقتصاديين على مستوى المجتمعات المحلية وعلى المستوى الوطني.

ويرى مراقبون، أن تحدي النزعات القبلية يضع الحكومة الجديدة أمام امتحان عسير، فمن جهة تزداد تداعيات ذلك النمط من النزاع لكونه بات سلاحا أخيرا في يد حركات التمرد التي تذكي من وتيرة الاقتتال القبلي لأنه يشتت قدرات الحكومة الأمنية بدلا من التصدي لتلك الحركات، كما سيزيد من الأعباء الاقتصادية عليها من خلال اضطرارها لتقديم المساعدات والعون الإنساني للمتضررين منه، كما أن تفاقم الصراع القبلي يعتبر بالنسبة لحركات التمرد مؤشراً على عدم الاستقرار وتدهور الحالة الأمنية، بما يتطلب على الأقل بقاء البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بدارفور (يوناميد)، في وجه الضغوط المتزايدة التي تمارسها الحكومة على البعثة لحملها على وضع استراتيجية للخروج التدريجي من ولايات دارفور.

واحة استقرار

وهناك عامل آخر في مرحلة ما بعد التنصيب وأداء القسم ينتظر دوائر صناعة القرار، لاسيما الحكومة الجديدة، وهذا العامل هو إدارة العلاقات مع جوار مضطرب، والحقيقة التي يرفض كثيرون الإقرار بها – لأسباب وتكتيكات سياسية – أن السودان اليوم في مفارقة كبيرة (واحة استقرار) في محيط يغلي بأشكال من التحديات والاضطرابات التي تهدد بقاء دول، وألقت ببعضها في أتون فوضى ما فتئت رقعتها تتوسع.. ففي الجوار الغربي تبدو ليبيا اليوم تحديا وتهديدا كامنا، ليس لليبيين فحسب وإنما لجوارهم القريب وخاصة السودان، حيث يبقى في انتظار الحكومة الجديدة في السودان التعامل مع الأوضاع المضطربة في ليبيا وإنفاذ الترتيبات والتفاهمات التي تم التوصل إليها في فترات سابقة مع مؤسسات الحكومات الليبية التي تعاقبت بعد نجاح (ثورة 17 فبراير) وإسقاط نظام العقيد القذافى.

سياسات إقليمية

ومن دون وجود حكومة قوية تملأ أي فراغ وتتصدى للتهديدات بشكل جدي، فلن يكون بمقدورها تطوير سياسات إقليمية مشتركة مع دول الجوار إزاء القضايا والتحديات أو التعاطي مع المتغيرات السريعة في هذه البلدان.

ففي جنوبه والجنوب الغربي للسودان، تبرز الأوضاع المتافقمة في دولتي جنوب السودان وأفريقيا الوسطة ومآلات الأوضاع في كلا البلدين تؤثر على مصالح السودان وأمنه القومي، لاسيما بجنوب السودان حيث فشلت الوساطة التي تقودها (الإيقاد) مدعومة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والصين في جلب السلام وإرساء الاستقرار في الدولة الأحدث في العالم.

تحديات مشتركة

وفي الحدود الشرقية مع إثيوبيا وأريتريا وحتى شمالا في الحدود مع مصر، هناك تحد مشترك، يلقي بظلال سالبة على هذه البلدان، وهو كيفية التصدي لنشاط الشبكات التي تمارس تهريب الأشخاص والاتجار بهم وهو تحد يتطلب إيجاد استراتيجية وطنية – شرع السودان في وضعها موضع التنفيذ بتوقيعه على قوانين وتشريعات للقضاء على هذه الظاهرة – داخل هذه الدولة وفي ما بينها، بالإضافة إلى وضع المجتمع الدولي – خاصة أوروبا – أمام مسؤولياته لتقديم كافة أشكال الدعم وبناء القدرات والمساعدات الاقتصادية لهذه الدول، بما يساعدها في تجفيف منابع وجذور تلك الظاهرة.

وبعد أن تنقشع سحابة احتفالات تنصيب وأداء القسم لرئيس الجمهورية ستتجه الأنظار نحو الحكومة الجديدة أولاً، ومن ثم البرنامج الذي ستنجزه هذه الحكومة، ويبقى السؤال: كيف يكون شكل الحكومة المقبلة؟ وهل ستنجز الوعود المبذولة؟ وكيف تتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية؟

 

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *