جعفر عباس : الورد والود والتخلف (2)

قلت يوم أمس إنني متخلف بدرجة أنني لا احتفل بما يسمى عيد الزواج، وانني وإلى عهد قريب كنت أتضايق إذا أتاني أحد بورد وأنا نزيل المستشفى، لأن الورد ارتبط في ذهني بالأماكن التي يقوم فيها الهندوس بحرق موتاهم بعد تغطية المكان بالورود، وبالجندي المجهول الذي يتم وضع الورود أسفل النصب المخصص له في كثير من المدن ثم عرجت على الحديث عن الزواج، وكيف أنني فاشل الى يومنا هذا في تقمص دور الرجل الشرقي (سي السيد)، الذي يؤدي مجرد دخوله الى البيت الى استباب الأمن والنظام، وحرمان السكان من حرية الكلام، وانتبهت الى حقيقة ان الواحد منا يتقدم للزواج بشابة تبدو في قوة ورشاقة الحصان، ولكن تلك القوة و«لحصونة»، تختفي بعد الزواج بأسابيع وربما بأيام.
هن يزعمن بالطبع ان الرجال يسببون لهن الأمراض، ولكن الراجح عندي هو ان جميع العائلات تشطب الأمراض من السيرة الذاتية للبنت المرشحة للزواج، بحيث يمكن تحميل المسؤولية للزوج بزعم انه سبب كل المصائب! والحل – في ظل العولمة وفرض التشريعات على الشعوب من خلال هيئة الأمم المتحدة – هو ان ينص عقد الزواج على امكان ارجاع الزوجة المعطوبة إلى أهلها لإجراء الصيانة اللازمة لها، أو تحميلهم نفقات الأمراض السابقة للزواج، وبذلك يكون الزوج مسؤولا فقط عن علاج زوجته من نزلات البرد والجروح الناجمة عن اصابتها في المطبخ أو أثناء الدفاع عن نفسها خلال (اعتداء زوجي غاشم).
ولدي البكر ظل يناديني باسمي حاف «جعفر» إلى أن بلغ السابعة، ثم منحني ترقية وصار يناديني «أبو الجعافر»! وعندما بلغ الحادية عشرة وبدأ يستقبل أصدقاءه في البيت أحس بالحرج، لأنهم كانو يسألونه عن «أبو الجعافر» الذي يقيم عندهم بصفة مستديمة، وعن غياب أبيه الدائم عن البيت، فاضطر المسكين إلى منحي «البابوية»! وإلى يومنا هذا فان ابنتي مروة ذات تخاطبني كلما غضبت مني (يعني على الدوام) باسمي كاملا: شوف يا جعفر عباس! ولا تضفي على القدسية البابوية إلا إذا أرادت طلب شيء من موقف ضعف! وبدوري فإنني لا أقصر معها فقد طالبتني ذات مرة بقميص تي. شيرت من إنتاج شركة نايكي للمنتجات الرياضية، واكتشفت ان سعر القميص يعادل ما أنفقه علي أهلي خلال مرحلة التعليم الجامعي، فاشتريت قميصاً عادياً وقلم «ماركر» ذا طرف مدبب ووضعت علامة «صح» وهي شعار نايكي على القميص وقدمته لها وصمدت علامة «صح» أسبوعين!
في أحيان كثرة يخيل إليّ أنني أتعامل مع عيالي من منطلقات حاقدة! أحياناً أتعمد عدم الاستجابة لطلباتهم رغم معقوليتها من الناحيتين، المادية والتربوية، لأنني أتذكر انه لم يكن عندي في طفولتي واحد على مائة مما عندهم، واكثر ما ينرفزني هو أنهم لا يتفقون على طبق معين فتجد كل واحد منهم يأكل شيئاً مختلفاً! ما هذا العبث والدلع؟ كان يعرض أمامنا على عهد الطفولة طبق واحد لا نسأل عن ماهيته ولا مصدره ولا تاريخ صلاحيته، لأن التساؤل كان كفيلاً بإضاعة بضع لقيمات عليك عندما يبدأ إخوتك الهجوم على ما هو موجود من دون بسملة أو غسل للأيدي! ولعب الأطفال كانت متوافرة لدينا لأنها كانت من الطين: نلعب ببعضه ونأكل البعض الآخر، ويغيظني أيضاً هوس أطفال هذا الزمان بالاستحمام، ولا أفهم كيف يرضى طفل أن يستحم يومياً، في حين كان من الطبيعي على أيامنا أن نبكي وننتحب لتفادي الحمام الأسبوعي أو نصف الشهري لأن جلودنا ما كانت تتحمل الفرك بالصابون المشبع بالصودا الكاوية المخصص أصلا لغسل ملابس الجنود! أو ذل الاستحمام داخل طشت في قلب الحوش ليتفرج علينا الجيران والأغنام التي كانت تشاركنا المسكن!
لو كان عندنا شامبو جونسون الذي لا يسبب الدموع لشربناه هنيئاً مريئا! ولن أغفر لأمي أنها كانت تدهن جسمي شتاء بزيت السمسم، بينما كان هناك اطفال في اجزاء أخرى من العالم يتعاملون مع النيفيا والبريل كريم! وأكثر ما كان يغيظني هو ان اسمع أمي وهي تصيح فينا: يا ما تعبنا فيكم ولأجلكم! أي تعب يمه! خليها مستورة!
jafabbas19@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *