الهارب والطالب والدكتورة… حكايات من بيوت إخوان مصر

الانتماء لجماعة الإخوان أو التعاطف معها أصبح بعد حظر النظام المصري لها من المحرمات ويصنف على أنه من الأعمال الإرهابية. 3 قصص لمنتمين للـ”جماعة” تكشف كيفية تأقلمهم مع الأوضاع الحالية، بغض النظر عن من الظالم ومن المظلوم.

أن تعيش مطاردًا ليس بالأمر السهل، وأن تفقد عملك بعد سنوات من التعب فهي فجيعة كبرى، وأن يكون مستقبلك على كف عفريت قد يظهر بزيه الأبيض ونجومه الذهبية في أي وقت فإنه قلق ما بعده قلق. هي ثلاثة قصص من مئات أو ربما آلاف غيرها لرجال ونساء وشباب عاشوا يومًا تحت راية الحاكم وتحولوا بين ليلة وضحاها ليجدوا أنفسهم يقفون تحت راية “الإرهاب”، ربما نتيجة أخطائهم واختياراتهم، أو ربما ظلموا بذنب آخرين، لا يمكن الجزم ولا حق لنا لنجزم من الأساس من الظالم ومن المظلوم.

فبرغبتهم أو بغير رغبتهم، باختياراتهم أو بدونها، بفعل أو بغير فعل، أصبح الانتماء مجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين،التي صنفها النظام المصري على أنها جماعة محظورة، فعلا في حد ذاته. وأن تكون عضوًا أو محبًا للإخوان المسلمين في مصر في يومنا هذا فأنت تقف في وجه عاصفة ليس لها اتجاه واحد، بل تضرب من كل الاتجاهات في كل التوقيتات. DW عربية رصدت ثلاثة قصص من وسط تلك العاصفة لرجل وسيدة وشاب بشكل مجرد.

الهارب.. يغير رقمه مع كل مكالمة ولا يعرف أحد طريقه

“رسالة أو مكالمة ولا نعرف طريقه”، يقول “أ.م” أحد أقارب القيادي الإخواني من الصف الثالث بالجماعة “س.أ” لـDW عربية. أصبحت كل علاقة الرجل بأسرته مجرد رسالة نصية تحمل بضعة كلمات لا تتعدى الطمأنة عن الذات والسؤال عن أحوال الأسرة أو مكالمة بتوصيات لقريبه قبل أن يغلق الخط سريعًا.

“س.أ” انقطع عن العمل قبل أشهر قليلة، بعد أن وردته معلومات أنه أصبح مستهدفًا من الجهات الأمنية، ليرحل من حينها ولا يعرف أحدًا مكانه حتى اللحظة، حتى أسرته. أما قريبه، وهو حلقة الوصل بين الأسرة والرجل، فوافق على الحديث لـDW عربية فقط بعد توسط رجل آخر من أهل الثقة لديه مشترطًا ألا يتم الكشف عن تفاصيل شخصية القيادي أو أسرته أو هو نفسه، خوفًا من التنكيل به وبهم.

“كل ما أعلمه عنه حاليًا هو أنه يتنقل من مكان لآخر، ولا يبقى في مكان واحد لمدة طويلة، أين تحديدًا لا أستطيع أن أكشف لكم ذلك”، يقول “أ.م”. ويتابع: “تواصله معي يكون من خلال مكالمات هاتفية من رقم مختلف مع كل مكالمة، لا أستطيع أنا الاتصال به فلا أعرف له رقمًا محددًا، فقط أنتظر مكالماته وهو حين يهاتفني يتحدث معي سريعًا عادة لتوصيتي على أسرته أو طمأنتهم على حاله”.

واردف “أ.م”، متحدثًا عن الحالة النفسية للقيادي الهارب: “هو لا يهاتف أفراد أسرته خوفًا من أن تكون هواتفهم مراقبة وأن يتم تتبع مكالماته، وفي مرة حدثني وكان يبكي ويشكو أنه يفتقد بشدة أولاده، إنه يعيش مآساة”.

لا ترقيات للإخوان

في مكتب عميد كلية التجارة بإحدى جامعات الأقاليم، وقفت سيدة أفنت عقود من عمرها في التدريس تتسائل عن أسباب تعديها في الترقية وهي التي لم تتأخر أبدًا عن تأدية عملها حتى وإن كان عليها أن تقطع مئات الكيلومترات يوميًا من محل سكنها بالعاصمة وحتى مقر الجامعة. “أنتِ إخوان يا دكتورة”، قالها لي رئيس الجامعة كما لو أنه يتهمني بأفظع الاتهامات، تروي الدكتورة “ا.ا” لـDW عربية.

دكتورة التجارة ليست إخوانية ولا تنتمي للجماعة ولم تنضم لها يومًا، إلا أنها ربما تحمل بعض التعاطف تجاهها، كهؤلاء الذين يطلق عليهم “المحبين”، لم تتخيل أنها يومًا ستقف هذا الموقف لتدفع ثمن مجرد مشاعر تعاطف من حياتها المهنية.

تركت “ا.ا” الجامعة وقدمت استقالتها اعتراضًا على تعديها في الترقيات، كان مبرر رئيس الجامعة هو: “تحمدي ربنا إننا مبلغناش عنك أصلًا”، وكان هذا كفيل بجعلها تحسم القرار بعدم الاستمرار تحت قيادته، حسب قولها، أما ردها الأخير عليه فكان غاضبًا وربما لم تحسب له حسابا كبيرا فقالت له: “نعم، أنا إخوان وأفخر أنني إخوان”.

“ا.ا” تجلس حاليًا بالمنزل بلا عمل منذ عدة أشهر وربما لن تعود أبدًا إلى العمل بعد اعترافها الغاضب، كما تروي هي، بانتمائها للإخوان، فهل تندم على تركها الجامعة؟ “أبدًا، ولو تكرر الموقف مجددًا لاتخذت نفس القرار”.

وفي طريق مغادرة مراسل DW عربية لمنزلها، همست أختها له: “الحمد لله إنهم سابوها تمشي، كان ممكن يلفقوا لها قضية”.

“أقبل أمي يوميًا قبل أن أخرج خوفًا من عدم عودتي”

في الـ26 من العمر ولا يزال طالبًا في كليته، هو الشاب الذي كان عضوًا فاعلًا بشدة ضمن شباب الجماعة إبان حكمهم حتى أنه وضع دراسته على الهامش، لا يزال يعاني حتى اليوم لإنهاء دراسته، لكن الأمر ليس باختياره هذه المرة، بل بقرار من “أصحاب البدلات الميري”، الذين لا يفوتوا أسبوعًا دون أن يكون ضيفًا لديهم في أحد الأقسام، رفض أن يذكر اسمه لـDW عربية خوفًا من التعرف عليه والبطش به أكثر.

“كل كام يوم تأتي الشرطة إلى بيتي وتأخذني، اليوم أنت متهم في عملية كذا أو أنت مشارك في تنظيم كذا، ويهاتف أهلي معارفهم حتى نجد واسطة تخرجني”، يقول “ح.ع″ لـDW عربية. ويستطرد: “هم يعرفونني منذ كنت أشارك في مظاهرات ما بعد (الانقلاب)، وتم القبض علي مرة حينها وخرجت بذات الطريقة، ومنذ ذلك الحين وأنا لعبتهم، يتسلوا علي حينما يريدون، رغم أنهم يعلمون جيدًا أنني حاليًا بلا أي نشاط، بل أسعى للانتهاء من كليتي كي أبحث عن فرصة للرحيل عن البلد وتركها لهم (يشبعوا بيها)”.

رغبة “ح.ع″ في إنهاء دراسته قد تتعارض في بعض الأحيان مع رغبة رجال الشرطة في القبض عليه، كما يروي، “أخذوني يومًا من على سلم منزلنا وأنا في طريقي لأداء الامتحان، ورغم رجائي لهم أن يتركوني أذهب للامتحان حتى ولو بحرس ثم أعود إليهم لفقرة التسلية المعتادة، إلا أنهم رفضوا وضاع علي الامتحان في الأخير”.

واختتم الشاب حديثه لـDW عربية قائلًا: “والله كل يوم أسلم على أمي وأقبلها قبل أن أخرج لأنني لا أضمن أن أعود إلى منزلنا مجددًا، أما كل ما أرغب به الآن فقط أن يتركوني في حالي”.(دوتشيه فيليه)

القدس

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *