“حنبنيهو” مع اعلان البشير انه رئيس الجميع حتي المقاطعين.. هل نقرا تدشينه لولايته الجديدة بابيات شاعر اليسار الراحل كاشارة لتحولات قادمة

كان البشير يخاطب ضيوف البلاد ونواب البرلمان من داخل القبة أمس الأول معلناً استمرار حزبه في التأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها مشروع الإسلاميين الذي صعدوا به إلى الحكم ومن أجله في الوقت نفسه، لكن الرئيس الذي ابتدر خمس سنوات جديدة بأدائه القسم، أكد على أنه رئيس كل السودانيين لا فرق عنده بين الذي منحه صوته أو بين من لم يفعل ذلك هو رئيس حتى (المقاطعين).

يلون الرئيس صفحته الجديدة البيضاء التي أعلن عنها في البرلمان باللون الأحمر ويختار أن يخاطب احتفالات الشعب بعودته بكلمات الراحل محجوب شريف العضو الذي ظل ملتزما بـ(شيوعيته) حتى وفاته في أبريل من العام 2014 (حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي وطن شامخ وطن عاتي وطن خير ديمقراطي) بدا النشيد الذي أطلقه الرئيس على الهواء مباشرة مدخلاً لطرح مجموعة من التساؤلات تتعلق باستخدام الإسلاميين لأدبيات خصمهم الأزلي في معادلة الصراع السياسي بالسودان.. بدا المشهد وكأن الخطوة الجديدة هي إلباس (الساحة الخضراء) لون الزملاء بحمرته المعلومة.

لم يكن استخدام الرئيس المحسوب على الإسلاميين لغة هي من صميم أدبيات الشيوعيين هو المشهد الأول، فمشاهد الخرطوم التي احتفلت بصعود البشير احتشدت شوارعها بالصور التي تعبر عن ذات موضوع تبني الإسلاميين لأدبيات تصنف وفقاً لمعادلة السياسة السودانية بأنها نصوص أقرب لليسار منها لليمين. لكن بالعودة إلى النص المستخدم والقصيدة نفسها فهي كانت تصنف في إطار المعركة التي خاضها الحزب الشيوعي في مواجهة ديكتاتورية مايو وهو ذات النص الذي تغنى به وردي عقب الانتفاضة وكان إحدى القصائد التي برزت بشكل واضح في فترة مقاومة التجمع الوطني الديمقراطي وكثيراً ما استخدمها منسوبو الجبهة الديمقراطية في مواجهة حركة الطلاب الإسلاميين الوطنيين في الجامعات. ومعلوم بالضرورة حالة المواجهة حامية الوطيس بين الجانبين كإرث تاريخي في حركة تطور السياسة السودانية..

الماضي الذي بدا ذا تأثير بالغ على الحاضر، ومهددا أساسيا للمستقبل، وفقاً للرؤية التي يتبناها المؤتمر الشعبي باعتباره طرفا إسلاميا ذا تأثير بالغ، هذا الأمر دفع بالأمين السياسي للحزب كمال عمر قبل يومين من حفل تنصيب البشير لإرسال تحذيرات حزبه مما أسماها حالة الاستقطاب الحادة بين اليمين واليسار ومردودها السلبي على الاستقرار أو حالة المواجهة بين الإسلاميين والعلمانيين يطرح الأمين السياسي لحزب الترابي كمال عمر رؤيته ثم يمضي في اتجاه مهاجمة قوى الإجماع الوطني المصنفة يسارا بحسب مسارات السياسة السودانية والمحسوبة على القوى العلمانية وفقاً للتصنيف ذاته، وهو الأمر الذي يدفع بالبعض للتحليل في إطار مواجهات ومماحكات السياسة اليومية، يقول في هذا الجانب الدكتور عوض أحمد سليمان أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين بأن التصنيف على الأساس الأيدلوجي بات من التاريخ وإن صراع الراهن يبدو مختلفاً تماماً.. يرفض سليمان استدعاء الماضي والتفسير على أساسه مطالباً بتجاوز هذه الأمور والسعي لإيجاد حلول موضوعية للإشكاليات السياسية في البلاد التي تتجاوز بالطبع حالة أنها مواجهة بين إسلاميين وعلمانيين إلى حالة يمكن أن تتطور لتصبح مواجهة بين الشعب والسلطة نفسها. وهو ما يتطلب بالضرورة تجاوز هذه الصراعات والعمل على إعادة بناء علاقات سياسية وفقاً لأسس جديدة.

ويرى أن الأسس الجديدة البعض تم تدشينها في خطابات الحكومة الأخيرة. فالبشير كان يرسل تطميناته للشعب بأن قفة الملاح ستكون هي الأولوية في النسخة الجديدة.. قراءة الحديث مع الحديث المتعلق بأنه رئيس كل السودانيين في الفترة القادمة يفسر البعض على أساسها لجوء الأخير لاستخدام اللغة المبسطة في إرسال أمنيات الشعب في قادم المواعيد.

كما أن احتشاد الشوارع بالصور ونصوص الأغنيات في الأيام الماضية ربما تعبر عن مزاج جديد، المزاج الذي برز في تعليق كلمات أغاني مصطفى سيد أحمد في إحدى اللوحات التي تضم الرئيس البشير ورئيس اللجنة القومية لترشيحه الإسلامي الآخر عبد الرحمن سوار الدهب: (نمشي في كل المداين وننثر الأفراح درر) نص يبدو متلائماً مع النص الجديد (حنبنيهو) يقرأ البعض أن ثمة لبنات جديدة يتم وضعها في سبيل السعي لإنجاز المستقبل، ولا يهم من أي مكان يمكن أن تأتي هذه اللبنات.

ويحتفظ الأرشيف بحديث سابق للبشير متغزلاً فيه في السكرتير السابق للحزب الشيوعي محمد إبراهيم نقد.

لكن سرعان ما تحتشد الأسافير بصراعات السياسة القديمة وبالاتهامات المتبادلة بين أهل اليمين وأهل اليسار حين يقولون إن الأمر يهدف للتكويش على الإرث الثقافي لليسار ونسبه لنفسه بل إن البعض حاولوا استخدام التكنولوجيا لرسم الصورة القادمة حين وضعوا صوراً لقيادات الوطني وكتبوا عليها (ماشين في السكة نمد) مرثية الرفاق لقاسم أمين التي تصل في خواتيم كلماتها إلى تسجيل الجريمة ضد الإسلاميين أنفسهم باعتبارهم أكبر المستفيدين من غيابه. من الممكن تجاوز كل ذلك عبر الوقوف في الخطابات التلقائية لرئيس الجمهورية الذي يميل في كثير من الأحوال لاستخدام النصوص الخاصة بالأغنيات الوطنية خصوصاً المرتبطة بالدعوة للسودانية كما هو الحال في كلمات إسماعيل حسن، وهو ما يجعل ما دار في الساحة الخضراء غير بعيد من هذا الاتجاه النقاش قد ينحرف في اتجاهات السياسة والإبداع أيهما يقود الآخر وامكانية توظيف الأخير من أجل صناعة استقرار يستفيد منه الكل وعلى رأس هؤلاء الراحل محجوب شريف الذي كان يحلم بوطن حدادي مدادي من أجل عيون شعبه كله، الشعب الذي كان يتجاوز عنده السلطة بمختلف توجهاتا وحتماً هو أكبر من الحزب بل إن محجوب شريف كان حزباً سودانياً قائماً بذاته ومختلفاً عن الأخير وإن ما صاغه شعراً مؤكد هو التوصيف الأنبل لمستقبل يمكن أن يعيشه الوطن وإن نصوصه كانت لكل الشعب الذي توجه شاعراً له ومتحدثاً بأحلامه.

الأمر في نهايته يتم وضعه في إطار المواجهة السياسية، فالإسلامي محرم عليه أن يلجأ لاستخدام أدبيات الشيوعيين وهو ما يمكن تطبيقه في الجانب اليسار من المعادلة وهو ما يبرر بدوره حالة الدهشة التي برزت على الكثير من الوجوه عقب بروز النسخة الجديدة من الخطاب الحكومي وهي نسخة مطلوبة ومطلوب أكثر تنفيذها على أرض الواقع أو هكذا ينتظر الشعب رد جميله.

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *