هل غيّر الوطني جلده؟ أم هي ضرورات تماهي الحزب مع الدولة؟؟

هل غيّر الوطني جلده؟ أم هي ضرورات تماهي الحزب مع الدولة؟؟

(ستكون الحكومة الجديدة أسرع حكومة في تاريخ البلاد).. هكذا صرح البروفيسور “إبراهيم غندور” للصحافيين في ردهات البرلمان (الثلاثاء) الماضي، متوقعاً إعلان الحكومة الجديدة خلال ساعات، إلا أن طبيب الأسنان الحاذق لم يكن يعلم أن غرفة عمليات المؤتمر الوطني- المعتادة على استقبال المواليد الجدد من الحكومات- ستشهد هذه المرة على غير العادة “عسراً” في ولادة المولود الجديد، وإن كان عالماً بأن ملء مقعده كنائب لرئيس الحزب الذي شغله منذ التغييرات المشهودة التي أتت به على حساب سلفه النافذ حينها د. “نافع علي نافع”، سيكون واحداً من أبرز نقاط الخلاف حول إقرار المشهد الجديد في سوح الحزب الحاكم. لكن في النهاية رُفعت الأستار عن شاغل المنصب الأهم- بعد منصب الرئيس- في المؤتمر الوطني ليظهر ابن الشرق المهندس الزراعي “إبراهيم محمود حامد” متقلداً منصب نائب رئيس الحزب للشؤون التنظيمية، ليرسم مؤشراً لبداية مرحلة جديدة- يبدو أنها مختلفة- في عمر الحزب الذي يحكم البلاد لأكثر من ربع قرن، مرحلة قد لا تتوقف عند التغيير في موقع الرجل الثاني في الحزب، لتمتد إلى تغييرات أكبر في شكل وسياسات الحزب والدولة.
{ مرحلة التماهي بين الدولة والحزب
منذ زمان بعيد كان أحد هواجس الرئيس “البشير” ما يراه تنازعاً في القيادة بين الدولة والحزب، وبروز الجدلية التي لم تُحسم حتى الآن: من يقود الآخر، الحزب أم الدولة؟ وهو ما دفعه لإطلاق قولته المشهورة بين يدي مفاصلة الإسلاميين الأشهر في 1999م معلقاً على ما يعدّه منازعة لسلطانه على الدولة من قبل أمين عام الحزب حينها وعراب الإنقاذ د. “حسن الترابي”، قال: (ريسين غرقوا المركب).
ولأهمية منصب نائب رئيس الحزب لشؤون التنظيم- الذي يعادل منصب الأمين العام على أيام “الترابي”- كان لزاماً على الحزب أن يختار له شخصاً بمواصفات تجعله أقرب للقيادة التنفيذية للدولة ممثلة في رئيس الجمهورية، شخصية قادرة على الأخذ بيد الحزب لمسافة أقرب لخيارات الحكومة وخططها وسياساتها، دون إغفال لمقدراته التنظيمية في إدارة الحزب. ولأن السنوات المقبلة في ولاية الرئيس الجديدة موسومة بأنها الأهم والأخطر بالنظر لأوضاع البلاد الداخلية  المحتقنة والعائمة في بحر إقليمي متلاطم الأمواج، فإنها مرحلة تحتاج لقيادة سياسية ولحزب بعيد عن الاحتكاك أو التشاكس مع القيادة التنفيذية للدولة، خاصة وأن الأخيرة تُعلن مراراً بأن المشهد السياسي والتنفيذي لن يكون حكراً على قبضة المؤتمر الوطني، وأنه  سينفتح خلال الفترة المقبلة على الجميع ليكونوا شركاء أساسيين، لذا  كان طبيعياً أن يأتي نائب لرئيس الحزب يحقق أعلى درجات التماهي بين الحزب والدولة بما يضمن تنزيل كل خطط وسياسات الدولة إلى أرض الواقع دون تنازع مع توجهات ورغبات الحزب، من حيث صفاته الشخصية الواجب أن تكون متسمة بالانضباط التنظيمي  والنظر للقيادة العليا في الدولة والحزب باعتبارها صاحبة الحق الأول في الطاعة والانقياد، وأن تكون شخصية “غير خلافية” من حيث العلاقة الرأسية والأفقية مع قواعد وقيادات الحزب، دون غض الطرف عن ضرورة مقبولية نائب رئيس الحزب الجديد لدى القوى السياسية  الأخرى في ظل تركيز الحكومة على الحوار الوطني في الفترة المقبلة.
وعلى خلاف شخصية سلفه الأسبق د. “نافع علي نافع”  الحادة والمائلة تجاه الخلاف والعداء مع الآخر، والحريصة على تركيز قدر عالٍ من السلطات في يده، تبدت في نائب الرئيس الجديد “إبراهيم محمود حامد” شخصية مختلفة أبعد ما تكون عن الخلافات والتكتلات  التي بدأت تظهر داخل الحزب، بجانب أنه من القيادات شديدة الانضباط التنظيمي وشديدة الولاء للقيادة، وهذه صفات غير بعيدة عن ما أكده القيادي البارز بالحزب د. “عبد الحميد موسى كاشا” لـ(المجهر) بقوله: (“إبراهيم محمود” رجل غير خلافي ويجيد التعامل مع الجميع بلطف وعفة لسان)، موضحاً أن المرحلة المقبلة تحتاج رجلاً بهذه المواصفات قائلاً: (المرحلة المقبلة تحتاج شخصية غير خلافية تعالج قضاياها بهدوء).
أحد القيادات الشابة بالحزب، فضل حجب اسمه، مضى أبعد من تقريرات “كاشا”، بتنبيهه إلى أن قيادة الدولة تنظر للمرحلة المقبلة على أنها تحتاج إلى ضرورة إحكام تماهي الحزب مع الدولة لدرجة إخضاعه لسيطرتها الكاملة، بما يجعل “إبراهيم محمود” هو الأنسب لما يتصف به من شخصية مسالمة و”هينة”، بجانب حرصه على عدم تجاوز الرئيس في أية قضية، ما كبر منها وما صغر.
{ تمهيد لتغييرات أكبر
تتركز أهمية التغيير الذي طال الموقع الأهم في قيادة الحزب الحاكم، أنه قد يُعد تمهيداً لتغيير أكبر يطال مجمل الأوضاع في الحزب وتوجهات الدولة، ما يعني توقع تغيير في بقية مواقع الحزب تبعاً لتغير القيادة، وهو ما أكده القيادي الشاب بأن الأيام المقبلة ستشهد تغييراً كبيراً داخل الحزب وفي مجمل الهيكل القيادي. ليمضي القيادي بالقطاع السياسي للحزب د. “ربيع عبد العاطي” في ذات الطريق، منبهاً إلى أن تغيير نائب رئيس الحزب سيتبعه تغيير كبير قائلاً: (كلما تغيرت القيادة سيتغير الشكل والمضمون)، مشيراً إلى أن نائب رئيس الحزب الجديد سيعمل على ترتيب أوضاع الحزب على مستوى الأمانات والقطاعات. لكن “عبد العاطي” ألمح إلى أن مؤسسات الحزب كان تأثيرها ضعيفاً على شكل التغيير الجديد، وقال: (ربما كانت مسألة الانتخابات سبباً في هذا الأمر).
بالمقابل أكد “كاشا” أن التغيير لا يشير إطلاقاً إلى ضعف أداء بروفيسور “غندور” وقال: (“غندور” كانت له حركة دءوبة في إطار تكليفه وهو كفاءة نادرة)، وعدّ علاقات الخارجية تحتاج رجلاً بمقدرات “غندور”، وقال: (كان يفترض إيكال الخارجية منذ زمن طويل إلى “غندور” لما يتصف به من دبلوماسية وعلاقات خارجية مميزة).
{ “حامد” خلفية تنظيمية وتنفيذية
قد تكون مقدرات خريج جامعة الإسكندرية شديد الهدوء والصمت والترتيب “إبراهيم محمود حامد” غير معلومة لكثير من الناس، ما يجعل اختياره للموقع الأشد حساسية في الحزب الحاكم محل استغراب، لكن عدداً من قيادات الحزب ينصف الرجل ويشير إلى أنه صاحب سيرة تنظيمية وتنفيذية تجعله مؤهلاً لتحمل عبء التكليف.. فالرجل من رموز الحركة الإسلامية الشابة، وقد ظل منغمساً في العمل التنفيذي منذ بدايات الإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي متنقلاً بين موقع المحافظ في “أم كدادة” بدارفور غرباً، ثم “سنار” جنوباً، ليترقي إلى موقع الوالي في “نهر النيل” شمالاً، وبعدها في “كسلا” شرقاً، ما يجعله متمتعاً بعلاقات ومعرفة بشتى جهات ومناطق السودان.. ليجمع مع العمل التنفيذي تجارب تنظيمية داخل الحزب، إذ إنه ظل لفترة طويلة عضواً بمكاتب القيادة، ورئيساً للحزب في الولايتين اللتين تولى فيهما منصب الوالي، ثم مسؤولاً للاتصال التنظيمي عن ولاية سنار، وبعض ولايات دارفور.

المجهر السياسي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *