حسين خوجلي : استراحة قصيرة قبل تحليل التشكيل..

حسين خوجلي : استراحة قصيرة قبل تحليل التشكيل..

< الناس في الخرطوم يبحثون عن الشوارع والعربات تبحث عن مساحة للوقوف أو الإستراحة.. والزمان يمضي كالرماد في بلاد لا تبيعه لأنها تنتجه بالمجان. < أوقف الأعرابي مراحه من الضأن قرب مسجد بعيد في قلب البطانة وكان يحدث نفسه بجمعة تغمره خطبتها الأولى بالرضى والثانية بنعماء الجنة وبشرياتها حيث لاعين رأت ولا أذن سمعت.. ولكن سرعان ما ارتعدت فرائص الأعرابي حين سمع وعيداً متواصلاً بالنار بذل فيه الإمام المتسع الصوت والأشداق بكل ما عرفه من صحيح الحديث وضعيفه والمناكير والاسرائيليات.. ولولا أن صاحبنا (توكر) في قلب المسجد لهرب لا يلوي على شئ وقال لعل هذا الفتى الممتد اللحية والأحمر النظرات والمتهضب الصدر مصيرو (يحن) على الطريقة السودانية. فيعرج على التوبة ويعرج على سيئاته التى أحالتها دمعاته إلى حسنات.. فلم يفعل الإمام فابتدأت الخطبة بالوعيد وانتهت بالصديد وبعد أن خرج كل الناس أنتظر الاعرابي غير بعيد منتظراً خروج الإمام فلما بان اقتحمه وقال في غير تردد أنت يامولانا عذابك السويتو فينا دا عدلة وقلبَة رب العباد عز وجل حاضرو؟ فقال الشيخ في نبرة قاسية، بلى رب العباد وملائكته ورسله والناس أجمعين فرد الأعرابي في ثقة (هازول بلا قلة أدب معاك) السما البنعرفا في البطانة مي قاسية كدي!! وهش علي غنمه ومضى بعيد لا يلوي علي شئ!! ولا يلتفت ذهب امام المسجد صاحب النذارة لا البشارة إلى شيخه وقص عليه الحكاية فبكى الشيخ وقال لتلميذه (والله لكأني بثقته في الخالق عز وجل تدخله الجنة قبل كل العلماء والأئمة) ومن يومها اعتدل الفتى الإمام فصار يصانع بالخوف والوعد والبشارة ويوازن حتى ألفه الناس غير قانطين من رحمة الخالق العظيم < هل الأزمة في حراكنا السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، هي في نمطيتنا أم في استعجالنا لقطف الثمار قبل الرعاية الراشدة والمتأنية للنبتة على اقتداء أثر «علوق الشدة» السوداني، أم أنه في عدم فحصنا لأعمالنا المنبثقة من أقوالنا، هذه الأقوال المحتاجة أبداً لمنهج قاسٍ في الجرح والتعديل.. فإلى متى نحن «وقافون» في الحد لا في الحق. ومن أذكى وأطرف ما سمعته في انتقاد هذا المنهج، أن أحد حذَّاق الرباطاب آب من الغربة بخير وفير ومال أوفر.. وتأنى جداً في الدخول في أي مشروع استثماري عُرض عليه، فمنهم من حدَّثه عن أهمية الشاحنات ومشاكل الترحيل وحاجة التنمية القادمة لمثل هذا المشروع. وما أن تكتمل كل دراسات الجدوى حتى «ينط» صاحبنا. ٭ ويأتي آخر فيعرض عليه أهمية إنشاء دار نشر وصحيفة رياضية. ويبدأون في دراسات الجدوى ومساءلة الخبراء. وبعد كل هذا الرهق يقول لصاحب المشروع يا أخي ما الذي يجبرني على المحاكم والملاحقات والشتائم والورق والمرتجع وكيف لي أن أنجز كتابةً وطباعةً وتوزيعاً ومحاسبة في يوم واحد.. دعك من هذا. ٭ وفي اليوم التالي يطل عليه صاحب مشروع لتسمين الماشية أو لبيع الخضر والفاكهة أو بيع الزجاجيات والأدوات المنزلية. وبعد تعب وجهد جهيد في الاقناع يصمت لبرهة ويقول له: يا هذا لن أدخل في الماشية ولا في الخضر والفاكهة ولا في الأدوات المنزلية، فأبي عليه الرحمة قد أوصاني ألا أجعل رزقي في ما يموت أو يتلف أو ينكسر. وأنت تعلم أن الموت مصير الحيوان وأن التلف مصير الخضروات وأن الكسر مصير الأدوات المنزلية.. ٭ وفي أحد الأيام دخل عليه صديق قديم بفكرة فندق ومطعم سياحي. والغريبة أنه في هذه المرة اشتد ساعده وعقله في الأمر، فعاين الخرط وأكمل الدراسة وتحمّس حتى كاد «يرمي الساس». وفي آخر لحظة ضرب رأسه في ندم وقال لصاحبه إنه تذكر نصيحة قديمة لوالده، نصحه فيها بأنه ليس من المروءة بيع الطعام للناس.. وأردف قائلاً ماذا أفعل إذا دخل علينا جائع لا يملك ثمن وجبته وهو يتضور جوعاً، إذا طردناه خرجنا عن ملة الإسلام وملة الكرام، وإن أطعمناه خسرنا مطاردتنا الفاقه.. يا أخي دعك من هذا. ولأن الناس كانوا يعلمون عن رأسماله الضخم فلم ييأس أحد. وظلوا في كل يوم يقبلون عليه بعرض جديد يغوص فيه ويتأمله ثم يرفضه. وفي أحد الأيام أطلَّ عليه صباحاً أحد الأصدقاء الغاضبين وعاتبه وغاضبه، وقال له مستخدماً إحدى العبارات السودانية اللازمة غير المتعدية، عبارة كلنا وقافون عندها وهي تمر في عقليتنا دون نقاش.. وعبارة غالباً ما تضطر بعدها للاستسلام لتجري كل المياه تحت الجسر. يا أخي لا يمكن أن تظل هكذا تصرف من «سنامك» دون أن تستثمر هذا المال.. يا أخي يجب أن تجرب.. نعم يجب أن تجرب. وجاء ميقات الكلمة «المصمتة» التي لم يناقشها أحد.. يا أخي «الأرضة جربت الحجر».. قالها بوقار شديد وحكمة زائفة. وصمت وهو يعلم أنها رصاصة إقناع سوف تفجر شرايين الصمود في عقلية «الرباطابي» المتمترس وراء فلوسه والرافض لكل محاولات التجريب. أعجبه صمت البرهة للرباطابي، فصرخ فيه ألا ترد.. نعم الأرضة جربت الحجر.. وقد كانت خيبة أمل صاحب المشروع عظيمة حين صاح صاحبنا قائلاً: «نعم لقد جربت الأرضة الحجر ولكن ماذا وجدت؟ ولأول مرة يجد مطلق الحكمة التوقيفية أنه في محل المساءلة، فصمت.. وفي الطريق ظل يردد ماذا وجدت ماذا وجدت.. < وفي مقام سياسة الصمت حُكي انه اجتمع برغوث وبعوضة، فقالت البعوضة للبرغوث: إني لأعجبُ من حالي وحالك. انا افصح منك لساناً . واوضح بياناً. وارجح ميزاناً. واكبر شأناً. و اكثرُ طيراناً. ومع هذا فقد اضرّ بي الجوع. وحرمني الهجوع. ولا ازال عليلة مهجودة مبعدة عن الطريق . وانت تأكل وتشبع. وفي نواعم الابدان ترتع. فقال لها البرغوث: انت بين العالم مطنطنة. وعلى رؤوسهم مدندنة وانا قد توصّلت الى قوتي. بسبب سكوتي.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *