جعفر عباس : غازي القصيبي وهيجان الشجون (2)

جعفر عباس : غازي القصيبي وهيجان الشجون (2)

يبدأ القصيبي رحمه الله كتابه (روايته) المسماة «أبو شلاخ البرمائي» بكذبة بلقاء عن مولد أبي شلاخ بعد ان سحبته القابلة/ الداية من يده، بدلا من رأسه، ولم يحدد القصيبي سنة الميلاد، لأن التلاعب بالتاريخ والجغرافيا وقوانين الطبيعة، هو جوهر التشليخ القصيبي، فالمؤلف سافر بأبي شلاخ إلى الماضي ثم عاد به إلى المستقبل، مستخدماً أدوات لم تكن قد اختُرعت، ليلتقي بهتلر وجونسون وغيرهما، ويلعن ابو شلاخ سنسفيلنا بلا هوادة ولكن بغير إقذاع، ذلك ان القصيبي ساخر مطبوع تحدثا ونثرا وشعرا، والذين تابعوا التلاسن بينه وبين الهرمين البحرينيين عبدالرحمن رفيع والشيراوي رحمهما الله وجهاد الخازن (جريدة الحياة) وغيرهم يعرفون كيف ان القيد الوظيفي لم يفلح كثيرا في لجم لسانه، ولعل أقذع النقد الاجتماعي في الكتاب، هو الذي بذله عبر وقائع سريالية، عن مسألة العمالة الوافدة ونظام الكفيل والخادمات الآسيويات والعصبية القبلية والأسرية.
ومن أجمل إشراقات أبي شلاخ أنه استغل ولع الناس بالأصل والفصل، وأقام شركة لإعداد وتسويق أشجار الأنساب، وقد أعجبتني الفكرة، لان بعض أهل السودان يعايرونني وأهلي النوبيين بعدم الانتماء إلى «أشراف» العرب، وبما أنني جعفر بن عباس بن السيد بن احمد واخواتي يحملن اسماء ذات دلالات تاريخية وشقيقي الأكبر زين العابدين، فان ذلك يؤهلني إلى انتاج شجرة عائلة، تمتد عروقها في تربة الحجاز (بس اللون مشكلة!).
واعتقد ان القيمة الكبرى لـ «أبو شلاخ البرمائي» هي كونه أول عمل أدبي ساخر بالكامل في قالب روائي في تاريخ الأدب العربي (لا مجال للمقارنة بمؤلفات الجاحظ لأنها رصد سردي في معظمها، لأحوال عصره وناس وبهائم ذلك العصر، ولا بأعمال القصيبي الأخرى التي لا تقوم كليا على السخرية)، وقد نجح القصيبي في إضفاء الترابط على تشليخاته التي رمى بها يعقوب أبو شلاخ وانسل، بان جعل هناك خيطاً رفيعاً كخيط المسبحة، يشد الوقائع إلى بعضها، فهناك «وديعة روزفلت» الرئيس الأمريكي الأسبق الذي كان يستعين بأبي شلاخ في الملمات، ومن ثم أوصى خلفاءه به خيرا، وهكذا أصبح في مقدور أبي شلاخ ان يزور الولايات المتحدة في مختلف العهود، ناصحا ومحللا وناقدا، وبذلك نجح القصيبي في إقناع جون كينيدي بأن يعمل في شركة وكمارا وهي ارامكو (قلب حروفها)، وبذلك تسنى له ان يربط الأحداث المحلية بالعالمية، فخلق بالتشليخ عالما بهيا من الفنتازيا.
وبرغم ان الكتاب يقوم على الشلخ الذي هو الكذب والمبالغة كما أسلفنا، إلا ان جوهره ابعد ما يكون عن الشلخ، فالقصيبي استغل مولده ونشأته في أعوام الرمادة – حين كان حال عرب الجزيرة يحنن قلب الكافر -، ومعاصرته للتحولات الكبرى التي أحدثتها الطفرة النفطية، في السعودية وجاراتها، لتشريح أحداث الحقبتين مستعيناً بخبراء أفذاذ من «تأليفه وإخراجه»، وأدهشني ان الرجل الذي قرأت اكثر من مقال صحفي يصفه بأنه صنيعة للغرب، رصد بدقة شديدة الوقائع التي تثبت مدى تآمر الغرب على الشعوب المستضعفة، وكال لأميركا النقد بالطن المتري، وحسبت قبل ان اكمل الكتاب ان القصيبي كادر شيوعي سري، وخاصة ان هناك قواسم فسيولوجية مشتركة بينه وبين غورباتشوف، (الهيكل العام والصلعة البهية).
إعلان
فعندما التقى متخفيا بطاقية أبي شلاخ بالمناضل الفيتنامي الجسور هوشي منه، كان واضحاً انه يكن احتراماً بلا حدود للرجل، ومعركته ضد الوجود الأمريكي في جنوب فيتنام، وحدث نفس الشيء عندما قابل ارنستو تشي غيفارا، ذلك الثوري الحالم، وكاد القصيبي ان ينشد مع احمد فؤاد نجم: غيفارا مات يا انتيكات… يا دفيانين ومولعين الدفايات.. يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات… ولكن يبدو أن الذي حال بين القصيبي والانضمام إلى الحركة الشيوعية هو ما عاناه أبو شلاخ في السجن في كوبا، وخيبة أمله في الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ، الذي سكر و«لبخ» كلما تحركت الصين نحو الغنى، ودشن «ثورة ثقافية» تعيدها إلى الفقر.
[email protected]

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *