جعفر عباس : غازي القصيبي وهيجان الشجون (4)

نبقى مع رواية أبو شلاخ البرمائي لغازي القصيبي، وبداهة فإن القصيبي يوظف موهبته الشعرية لاختزال وتكثيف المواقف والآراء، ولكن بما ان ابا شلاخ نال حظاً قليلا من التعليم (لا عليك انه حصل على دكتوراه من أمريكا)، فما كان ممكنا ان يقول شعرا فصيحا، وكانت تلك فرصة ذهبية للقصيبي ليؤكد طول باعه في الشعر النبطي، أي العامي، ويحمد له انه حرص على تشكيل الكلمات في قصائده النبطية الكاريكاتيرية لفائدة القارئ غير الملم بلهجات الخليج والجزيرة العربية، كما نجح القصيبي أيما نجاح في توظيف العامية في الحوار بظرف رفيع يعكس إدراكه لمواطن بلاغياتها، وما لم يكن دماغك مقدودا من صخر فإنك ستخرج عن وقارك عندما تستمع إلى تشرتشل وروزفلت ومارلين مونرو وترومان يتحدثون عن البعارين والتمور والحمير.
يقول أبو شلاخ وهو مثل «الزين» بطل رواية عرس الزين للأديب السوداني الراحل الطيب صالح، حباه الله بقلب رحب يتسع لكل حسناء.. يقول عندما طاح صريع غرام الحسناء الأمريكية آن ماري: «لما شفتك قلت طز في الإنجليز»، ولعلمكم فـ«طز» ليست كلمة نابية بل تركية تعني «الملح»، ويقال إن الباشبزق (جباة الضرائب الأتراك)، وكان مشهودا لهم بالقسوة، كانوا يعتبرون الملح سلعة تافهة ولا يفرضون عليها ضرائب، فكان التاجر الذي يتعرض لمداهمة منهم يقول عن محتوى بعض متجره المخبأة في أكياس «طز»، أي ملح، وشيئا فشيئا صارت الكلمة تستخدم تعبيرا عن الاستخفاف بالناس والأشياء.
ولكن ما أن يرى يعقوب أبو شلاخ ريتا حتى ينسى جميع من طرقن قلبه قبلها.
عطيني بوسة يا ريتا
ترى بوستك فيري سويتا
والقارئ بين سطور التشليخات القصيبية، يجد فيها نوستالجيا تجاه منطقة الهفوف التي نشأ فيها الكاتب، فرغم أنه غادر تلك المنطقة منذ عقود طويلة فإنه لم ينس تفاصيل الحياة فيها، ولخص ذلك في قصيدة له نشرتها بعض الصحف السعودية سمى فيها الهفوف أم النخيل:
طال الفراق وعذري ما انوء به
يا أم طفلك مكبول بما حمَلا
يا أم ردي على قلبي طفولته
وأرجعي لي شبابا ناعما أفلا
أشكو إليك من الستين ما خَضَبت
من لي بشيب إذا عاتبته نصلا
تهامس الغيد «ياعمي» فوا أسفا
أصير عمّاً وكنت اليافع الغزلا
وهل يستطيع أحد أن يرثي القصيبي بصدق كما فعل حبيبه الراحل عبدالرحمن رفيع:
سأكتب عنه اليوم كي أظهر الفضلا
ومن ذا الذي في فضله يدعي الجهلا
سأكتب عن غازي فتى الشعر هائما
بحب «أوال» ينشد البحر والنخلا
ستبقى على ثغر الزمان رواية
وتبلى الليالي الفانيات ولا تبلى
jafabbas19@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *