د. ياسر محجوب الحسين : جوبا بين مطرقة سلفا وسندان مشار

د. ياسر محجوب الحسين : جوبا بين مطرقة سلفا وسندان مشار

لو قلنا إن شعب دولة جنوب السودان هو أكثر شعب أصيب بخيبات أمل عظيمة على مر التاريخ الحديث لما قلنا شططا.. فقد كانت آثار الحرب الأهلية التي اندلعت قبل نحو عامين أقسى وأوجع من آثار الحرب الأهلية التي استمرت نحو 50 عاما بين شمال وجنوب السودان قبل انفصالهما في 2011.. وكان الانفصال الذي قصد منه إيقاف الحرب سببا لاندلاع حربا قبلية ضاهت الحرب الطاحنة بين قبيلتي التوتسي والهوتو في دولة رواندا في شرق إفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى، حيث دارت حرب أهلية في الفترة من 1990 – 1993 راح ضحيتها 800 ألف قتيل، وقامت الحرب على تداعيات انحياز المستعمر البلجيكي لقبيلة التوتسي 20% من تعداد سكان البلاد على حساب قبيلة الهوتو 80%.
بعد أن وقع المحظور وأصبحت دولة جنوب السودان الوليدة في حالة شبه انهيار، اقتنع رئيسها سلفا كير وأصدر قرارات تلغي قرارات اتخذها في غمرة حسابات خاطئة، بفصل نائبه الأول في الدولة والحزب، قائد التمرد الحالي، رياك مشار، وعدد من القيادات التي انضمت إلى المتمردين، وأعادتهم إلى مواقعهم السابقة في المكتب السياسي.. ومشار هو ابن قبيلة النوير ثاني أكبر قبائل جنوب السودان بينما سلفا نفسه يمثل قبيلة الدينكا أكبر القبائل الجنوبية عددا ونفوذا.. وكان قرارا بإقالة مشار الشرارة التي أشعلت الحرب المدمرة، بيد أن سلفا أدرك خطأ إقالته مشار في وقت متأخر جدا، بينما رفع مشار من سقف مطالبه عاليا، فإن استوعب درس المعادلة القبلية المعقدة، فسيكون أقصى سقف مطالبه ذهاب سلفا واختفاءه من المسرح السياسي.
أما أن يطمع مشار بكرسي سلفا فسيقع في نفس خطأ سلفا، خاصة أن أسباب إقالته كانت بسبب غضب سلفا من إعلان مشار نيته الترشح للرئاسة خلال الانتخابات التي كان مقررا لها مطلع 2015. وقال مشار حينها إن سلفا لم يعد قادرا على إدارة شؤون البلاد بعد تفشي الفساد واتساع رقعة القتال القبلي.
يشير الواقع في دولة جنوب السودان إلى أن الدولة التي تعدادها نحو (10) ملايين نسمة تتألف من (60) مجموعة قبلية أكبرها مجموعة (الدينكا) التي ينتمي إليها رئيس الدولة سلفا كير ميارديت، ويبلغ تعداها نحو (4) ملايين نسمة أي أنهم يشكلون (40%) من مجمل تعداد السكان، وهي ثاني أكبر قبائل إفريقيا بعد الزولو في جنوب إفريقيا. وتأتي قبيلة النوير في المرتبة الثانية في الدولة الوليدة من حيث التعداد إذ يبلغ تعدادها نحو مليون نسمة. ويشار إلى أن الصراع بين القبيلتين ليس بالجديد بل هو صراع زعامة على الأرض والموارد له امتدادات تاريخية معلومة. نظام الحكم الوليد راعى هذه التركيبة، وهو نظام حكم يوصف في دستور البلاد بأنه (نظام رئاسي، جمهورية فيدرالية، ديمقراطية تمثيلية). وعليه فقد تواضعت النُخبة الحاكمة وهي الحركة الشعبية (الحزب الحاكم) على أن يكون رئيس البلاد من قبيلة الدينكا ونائبه من قبيلة النوير فيما يتم تقسيم (كيكة) السلطة على القبائل الأخرى بنسب تراعي أوزانها القبلية. هذه المعادلة السياسية تجنب البلاد صراعاً قلبياً لا يبقي ولا يذر. وستظل على ما يبدو الحل المتاح في الوقت الحاضر لتجنيب البلاد خطر الانهيار في ظل ثقافة قبلية متجذرة حتى يحدث الله أمراً كان مفعولاً وتتبدّل هذه الثقافة إلى ثقافة مدنية تستوعب الآخر في إطار تنوع وتبادل ديمقراطي للسلطة.
لقد ماطل سلفا كثيرا في تنفيذ اتفاق تقاسم السلطة، منذ الأول من فبراير الماضي وهو الاتفاق الذي عاد بسلفا إلى مربع المعادلة القبلية في الحكم التي كسرها بإقالته لمشار قبيل اندلاع الأزمة. وتضمن الاتفاق أيضا نسب تقاسم السلطة بحيث تكون 60% للحكومة الحالية في جوبا مقابل 30% للمعارضة بقيادة مشار، بينما تخصص 10% للمفرج عنهم والأحزاب الأخرى. أما البرلمان سيتكون من أربعمائة عضو، حيث سيتم إبقاء الأعضاء الحاليين والبالغ عددهم 332 عضوا، ويضاف إليهم 68 عضوا جديدا يتم تقسيمهم وفقا لاتفاق تقسيم السلطة، كما سيكون نصيب الحكومة الحالية 60% من المقاعد، إلى جانب 30% للمعارضة، و10% للمفرج عنهم والأحزاب الأخرى.
ورغم قرارات سلفا المستجيبة للاتفاق، فإن المتمردين بقيادة مشار مضوا قدما في عملياتهم العسكرية معلنين أنهم سيطروا على حقول نفط رئيسية في شمالي البلاد، بل أعلنوا أن قواتهم تسعى للاستيلاء على مزيد من حقول النفط لحرمان حكومة سلفا من عائدات البترول.
لعل التطورات الأخيرة تصب في غير صالح سلفا الذي أظهر عدم حنكة سياسية، وقد ظل الرجل يميل إلى الغموض والعزلة، ولا يمكن الخروج بأي انطباع إن حاول شخص ما قراءة تقاسيم وجهه الجامدة والصارمة فهو بخيل بإبداء أي مشاعر لمحدثه فمن الصعب معرفة ما إذا كان سعيدا أو غاضبا. وأكثر مظاهر الغموض كارثية، عقلية العسكرتاريا التي يدير بها شأن الدولة والحركة الشعبية (الحزب الحاكم).

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *