د. جاسم المطوع : حوار مع شاب متردد في الصيام!!

هدف كل العبادات (تقوى الله)
قالت: سألني ابني البالغ من العمر 15 سنة: لماذا نصوم رمضان؟ فقلت له: نصوم حتى نرحم الفقراء ونشعر بحاجتهم للطعام، فأجاب: ولكن صيامنا أكثر من 15 ساعة في اليوم ونستطيع أن نشعر بألمهم للجوع بصيام خمس ساعات بهذا الجو الحار، كما أني أنا أرحم الفقراء وأتصدق عليهم فلا أحتاج للصيام حتى أشعر بشعورهم، تقول الأم: فلم أعرف كيف أرد على ابني وماذا أقول له وأقنعه بالصيام.
ثم أكملت وقالت له: يا ابني إن الصيام رياضة للجسد، فرد علي قائلا: يا ماما ولكني أنا ألعب الرياضة وأحب السباحة كل أسبوع فلا أحتاج للصيام مرة بالسنة حتى أمارس هذه الرياضة، فقالت له: ولكن في الصيام صحة لأن المعدة تحتاج أن ترتاح شهرا واحدا بالسنة، فرد علي ابني: ولكن الرجيم والطعام الصحي الموجود والمنتشر اليوم في كل مكان يحقق لنا نفس هذا الهدف، تقول الأم فاحترت ماذا أقول له، فهذا كل ما أعرفه وتعلمته وأنا صغيرة عن هدف الصيام، وكان آخر شيء قلت له إن الصيام يعلمك الصبر، فرد علي بأن كثيرا من الرياضات تعلم الصبر مثل صيد السمك وتعلم الفنون القتالية وغيرها.
فقلت لها: ولكن الهدف الأساسي من الصيام لم تجيبي عنه، قالت: وما هو؟ قلت: (لعلكم تتقون)، قالت: لم أفهم ما تقول، قلت: إن هدف كل العبادات (تقوى الله) ومن ملك التقوى ملك قوة الإرادة، والصيام يعلم الإنسان قوة الإرادة حتى يصبح حرا، لأن الحر لا يستطيع أحد أن يغلبه أو يسيطر عليه، كما أن الحر لا تقهره عاطفة ولا تأسره شهوة فهو سيد نفسه.
قالت: وماذا تقصد بالإرادة؟ قلت: الإرادة تعني أن الإنسان إذا أراد أمرا معينا يقرر اختياره ويصر على تنفيذه حتى ينجح، ومن يملك قوة الإرادة يملك مجاهدة النفس وقوة الصبر، ولهذا فإن شهر رمضان تتغير فيه عادات الإنسان في الطعام والشراب والنوم وكل أعماله اليومية، فيعيش الصائم في صراع شديد مع نفسه بسبب تغير عاداته ونظام حياته، فإذا نجح الصائم في مقاومة هذا الصراع ستزداد ثقته بنفسه وبقدراته ويستطيع وقتها تغيير أي عادة سلبية لديه، لأنه نجح في تغيير نظام حياته لمدة 30 يوما، أفلا ينجح إذا قرر أن يقهر عادة أو يغلب شهوة؟! فالصيام هو تدريب للنفس على الأخلاق الراقية والهمة العالية.
قالت: إن كلامك هذا مهم جدا يا ليتني تحدثت مع ابني بهذه الطريقة، قلت: إن كلامي يفسر لك قول الله (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فهذا هو الهدف الأساسي للصيام، وإن ما ذكرتِه لابنك صحيح ولكن التقوى هي الأساس لأنها تقوي إرادة الإنسان فيصبر علي الطاعات ويتجنب المنكرات فيكون قريبا من الله بعيدا عن الشيطان.
ولهذا قال علماء السلوك: إن هناك ثلاث علامات لتقوية إرادة الإنسان وهي: أولا أن يكون لديه هدف واضح يسعى لتحقيقه، وثانيا أن يكون قادرا على العمل تحت الضغوط، وثالثا أن إرادته تقوى وتتحسن مع الوقت، وكل هذه العلامات موجودة بشهر رمضان، فالصيام والقيام والزكاة كلها أهداف يسعى المسلم لتحقيقها في رمضان، وكذلك رمضان هو شهر تزاحم الأعمال الاجتماعية والخيرية والإيمانية مما يشكل ضغطا على الإنسان، وفي رمضان يشعر المسلم يوما بعد يوم بزيادة قوة إرادته وثقته بنفسه وبقدراته.
ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو أن يقوي الله إرادته ليستقيم في العمل الصالح بمصطلح (العزيمة) ومصطلح (الرشد) فيقول (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد)، قالت: شكرا لك سأذهب فورا للحديث مع ابني، فقلت لها: بل أنت شكرا لك لأني سأكتب مقالا بحوارنا هذا ليستفيد القراء من تجربتك مع ابنك.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *