منصور الصويم : رسائل إلى زينب 4

قضيت نهاري كيفما اتفق، فاليوم مخصص لحرق العادم وإجراء بعض الصيانة الميكانيكية، لذا حولته إلى إجازة للتسكع وتناول القهوة والشاي مع بعض الأصدقاء، كما لم أنسَ زيارة ورَّاقي بوستة أم درمان لشراء بعض الكتب، في محاولة أخيرة للإمساك بخيوط عادة بدأت تتسرب من ذاكرتي.. في آخر الليل ودعت الأصحاب وعدت إلى غرفتي لأكمل قراءتي لرسائل العاشق إلى زينب. كانت الرسالة الرابعة، وجاء فيها:
“مكثت في المستشفى ثلاثة أشهر يا زينب، أربعون يوما منها كنت غائبا عن ذاتي وما حولي وعن العالم إلا إياك، أناديك وأسبح مكافحا وراء صورتك الغائمة في لجة غيابي المشوشة. حين أفقت من غيبوبتي وبدأت من جديد استعيد إحساسي بالأشياء وجدت الجميع من حولي ينادوني بـ «زول زينب»، الممرضون والممرضات والأطباء والطبيبات وحتى أولئك المرضى المتوجعون في عنبر الجراحة والكسور بمستشفى النيلين. وبصدق كانوا فرحين بعودتي، متشوقين لمعرفة زينب مناداتي تلك من بين زائراتي الكثيرات؛ وبعضهم – الممرضين والممرضات – أصروا أن هذه الـ زينب فقط من أنقذني من مقتل الكسور والجروح والارتجاجات التي أصابني بها حادث الدهس العنيف.
وأنا أتدرج بطيئا في الشفاء كنت أراك في وجه كل زائرة وممرضة وطبيبة يا زينب، أكاد أقفز بكسوري وجروحي من على الفراش وأنا ألمح وجها فيه شيئا من أنفة وجهك البهي؛ عدا آلاء يا زينب، ممرضتي الملازمة، من تحقنني يوميا بمحاليل الوريد وتلقمني حبوب الفولتارين، وترفع تقريريها الصحي عن حالتي للطبيب المعالج، آلاء التي أصرت أن تريني وجهها مفصولا عن وجهك، وأن تحاصرني بالأسئلة وتتحداني في هواك يا زينب. قالت لي: “وزينب هذه، هل لها لون زينب.. مثلي”؟ كنت أتوه في مناداتك، مستعيدا التفاتتك الأخيرة قرب حديقة القرشي، ذلك الفزع الذي ارتسم على وجهك وأنا أتداعى على الإسفلت. هل خفت عليّ حينها؟ هل تفقدتيني يومها؟ من قلب هذه الغمام الساحر كانت تجرني آلاء وتجذبني إليها برفق وحنو، تسندني بجسدها الصغير لأجرب الخطو من جديد, تضحك بخبث وهي تهمس في أذني: “ح أنسيك زينب هلوستك دي”! في شهور التداوي الطويلة تلك هل حقنتني آلاء بمحاليل النسيان؟ محوك وتحويلك إلى أيقونة جامدة ومعلقة في الذاكرة؟ من أي سماء انزلقت لتقارعك يا ذاكرتي الفاعلة؟”.
فكرت بكسر عادتي اليومية بقراءة رسالة واحدة والانتقال مباشرة إلى الرسالة الخامسة، لكني تراجعت في اللحظة الأخيرة وأنا أقول لنفسي “جرب الالتزام والنظام ولو مرة”.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *