د. جاسم المطوع : حوار مع دينار

رأيت فقيراً مقطعّ الثياب، كبيراً بالسن، يبدو عليه آثار الجوع والعطش.

رأيته مستلقياً على عتبة البنك، وقد استغرق في نوم عميق، وكانت أشعة الشمس تدنوا منه قليلاً قليلا حتى وصلت إلى صدره، وهو لا يشعر بحرارتها.

وقفت عنده أنظر إليه وأتأمله، وأقول في نفسي: «سبحان الله! إن بين هذا الفقير وخزينة المال بضعة أمتار، إننا والله نعيش في عالم المتناقضات».

أدخلت يدي في جيبي، فأحسست بحركة غريبة فيه، أمسكت به فعرفت أنه «ديناراً».

فقلت له: لماذا تتحرك في جيبي؟

الدينار: أنا في جيبك منذ زمن بعيد، وأنت لم تحسن معاملتي وفق هدف وجودي

قلت: وما هدف وجودك يا دينار؟!

الدينار: الإنفاق على أهلك ووالديك وعيالك ، وقضاء حاجتك وحوائج المسلمين، من تفريج كربة، وإعانة مدين، وتوسعة على يتيم، وغيرها من وجوه البر والخير.

قلت: كيف جئت إليّ يا دينار؟!

الدينار: إن لي قصة طويلة، فقد انتقلت بين أيدٍ كثيرة، فالأول اشترى بي عقارا، والثاني اشترى بي خمرا ، والثالث دفعني رشوة لآخر، والرابع اشترى منك بضاعة فوصلت إليك، وكل هؤلاء كانوا عبّاداً للمال، ولا أعرف عنك أي شيء بعد.

قلت: وكيف علمت أن هؤلاء هم عبّاد المال؟

الدينار: من طريقة تعاملهم معي، فإنهم كانوا لا ينفقونني في طاعة الله فتذكرت قول الحسن البصري رحمه الله : «لكل أمة وثن يعبدونه، وصنم هذه الأمة الدينار والدرهم» ، وأنت يا صاحبي إن لم تصرفني في وجوه الخير فسأحرقك باسمي.

قلت مستغرباً: تحرقني بإسمك؟!! وكيف ذلك؟!!

الدينار: إن أول اسمي «دين» ليذكرك بحقوق دينك عليّ ، وآخر اسمي «نار» ليحرقك إن كنزتنى أو أنفقتني بالحرام فتأمل قول الله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون}

قلت: إن كلامك هذا خطير يا دينار!

الدينار: نعم فأنا نعمة علي من يصرفني بالخير ونقمة علي من يستمتع بي بالحرام !! وانتبه لهذا الفقير الذي أمامك فادفعني إليه لأكون شاهداً لك يوم القيامة إن شاء الله ، وليكن لديك مشاعر مثل مشاعر التابعي (سفيان بن عيينه) رحمه الله عندما سأله فقيرا فبكي ، فسئل ما يبكيك فقال : أي مصيبة أعظم من أن يؤمّل فيك رجل خيراً فلا يصيبه

قلت: سبحان الله، إنه لشعور رقيق جداً.

الدينار: هكذا فكن، واستغل مواسم عمرك، ولا تفرط في شبابك حتى يضاعف الله أجرك.

قلت: وهل هناك فرق بين من يتصدق في شبابه أو في هرمه؟

الدينار: نعم فقد «جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله: أي الصدقة أعظم أجراً»؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر»

يعني صحيح البدن ومعني شحيح أي بخيل لأن غالبا الشاب فإنه يريد أن يحتفظ بالمال لنفسه

قلت: والله لقد فتحت عليّ أبواباً كانت مغلقة، فشكرا لك يا دينار .

الدينار : المهم أن لا تكن عبدا للدينار ، فكم من شخص صرعته ببريقي ، وأهمس بإذنك قائلا بأن تهتم بزوجتك وولدك وأهلك فلا تبخل عليهم ، لأن كل دينار تنفقه عليهم تنال فيه أجرين ، أجر الإنفاق وأجر الرحم والقرابة ، ولا تنسى المحتاج ومن يعاني الجوع البرد والفقر حتي تنال رضي الله ومحبته ، والآن إدفعني إلى هذا الفقير الذي أمامك حتى يحبك الله ، وحتي أكون سببا في إطفاء غضب الله عليك كما قال عليه الصلاة والسلام (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب)

قلت: حسناً ، ثم جلست بقرب الفقير، ووضعت يدي على صدره، وقلت له: يا هذا.. يا هذا.. فقام فزعاً وفتح عينيه.

فقلت له: لا تخف إني رجلٌ محسن، وهذا دينار فخذه ليعينك على نوائب الدهر ، فنظر إلي مستغربا ثم ابتسم وأخذ بيده الدينار فقبض عليه قبضة قوية ونظر بعينيه إلي السماء ، فابتسم وانتهت القصة التي تخيلتها وأنا أشاهد فقيرا علي نائما علي الأرض.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *