عثمان ميرغني : أولاد الحكومة..!!

بمناسبة إعلان نتائج الشهادة الثانوية السودانية أمس الأول.. وقبل إكمال قراءة هذا العمود أرجو أن تحاول الإجابة عن سؤال بسيط.. لماذا تعتقد أن التعليم (زمان) أفضل منه اليوم؟؟.
لا تذهب بعيداً بخيالك، وتستدعي أية مقارنات بين المقررات الدراسية.. أو اعتمادية الطالب زمان والآن.. أو قدرات وتأهيل وخبرة المعلم زمان واليوم.. فكل ذلك هو مجرد أسباب ثانوية..
السبب الرئيس هو في الفارق في فهم الدولة للطالب زمان.. واليوم.. في (عقيدة) الدولة التعليمية..
في الماضي؛ كان الطالب (ابن الدولة) والآن الطالب (ابن أبويه).. مستقبله في الماضي يهم الدولة.. والآن مستقبله يهم أبواه- فقط لا غير.
من هو صاحب المصلحة الأول في تعليم أبناء وبنات السودان؟، الإجابة العملية من واقعنا اليوم هو (الأسرة).. التي تنفق كل ما لديها من أجل تعليم أبنائها من الميس إلى الميس.. من الروضة حتى التخرج من الجامعة.. أما الأسر الفقيرة التي بالكاد تجد ما تقتات به فهي أغلب الظن إما أن تغلق الباب نهائياً فترسل أبناءها إلى حيث تتوفر لقمة العيش في أية مهنة مهما صغرت.. أو ربما تمارس بعض صنوف التقشف القهري.. مثل أن تدخل أبناءها (بالدور) إلى المدرسة.. يتعلم ابنها عاماً ثم يعمل عاماً ليوفر نفقات تعليمه للعام القادم.
لو.. تغيرت العقيدة التعليمية فتدرك الدولة أنها هي صاحب المصلحة الأول– لا الأسرة- في تعليم أبنائها.. ربما لأمكن إصلاح حال التعليم.. فالطالب الذي يقضي أكثر من (15) عاماً في مراحل التعليم ليتخرج طبيباً.. لن يعمل في (عيادة بيت أسرته) بل في مستشفى عام مفتوح للجميع، وقد لا تحتاجه أسرته قط لعلاج أحد أفرادها.. وينطبق الأمر على كل الوظائف.. يتعلم المرء ليخدم وطنه الكبير لا أسرته الصغيرة فحسب.
وبهذا المفهوم فإن أي طفل سوداني يتسرب من قنوات التعليم، وينقطع عنه، فهو فقد للبلاد كلها لا أسرته.. وأي طفل لا يجد بيئة التعليم المناسبة فينخفض مستواه هو خسارة لبلده قبل أسرته.. فلربما طفل فقير في حي فقير من أطراف المدن- إذا وجد أقل رعاية مدرسية- ينبغ، ويتحقق له مستقبل عظيم.. فينفع بلده قبل أسرته..
إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح (عقيدتنا التعليمية)، أن ندرك أن الدولة في الماضي لما كانت تصرف على الطالب في مدرسة داخلية.. فيأكل مجاناً، ويقيم مجاناً، وتوفر له الكتب، والمعلم المؤهل، والمدرسة الجميلة، وكل ذلك مجاناً.. لم يكن مجرد إنفاق بذخي لا طائل من ورائه.. لا.. كان المفهوم- حينها- أن الطالب هو استثمار الدولة من أجل مستقبلها.. لا استثمار الأسرة.. فكثير من الأسر لم تكن تدري حتى عن تفاصيل دراسة أبنائها حتى يتخرجوا..
العقلية التي ندير بها ملف التعليم الآن لا تصلح لبناء مستقبل قوي ينافس بقية الأمم.. فيظل التعليم مجرد (تفاخر) بين الأسر والمدارس.. كما هو الحال عليه الآن..

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *