الطاهر ساتي : لم يحدث عفواً..!!

:: وفي ذاكرة الناس، بعد أن تأهبت أمريكا لغزو العراق وأعلنت ساعة الصفر، استقبلت بغداد وبعض مدائن العراق رهطاً من الفرنجة الذين حدثتهم أنفسهم ثم حرضتهم على حماية المواقع والمرافق المدنية (كدروع بشرية)، فهتف لهم الإعلام العربي بالمدح والتمجيد بمظان أن فعلهم هذا فعل إنساني وجدير بالاحتفاء.. ولكن بعد اكتمال الغزو وتدمير العراق، اكتشف الإعلام العربي ذاته أن هذا الرهط الإنساني الذي سبق المارينز إلى بغداد لم يكن إلا (عيون المارينز)!!
:: فالغافل من ظن الأشياء هي الأشياء.. ولكن لا يزال البعض الغافل يظن أن موقع ويكيليكس الإلكتروني مجرد نافذة إعلامية مستقلة تتحصل على الوثائق وتسربها و(خلاص).. لا، ما هكذا حال هذا الموقع، والشك يجب أن يحيط به وبأهدافه، وكذلك يجب أن نقرأ وثائقه – الصحيحة طبعاً – بأعين الريبة الباحثة عن الحقيقة.. وما لم نفعل ذلك – حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود – نكون من الغافلين الذين يظنون بأن الأشياء هي الأشياء!!
:: وللأسف كثيرة هي تلك (الأشياء الأمريكية).. وكلها تشهد بأن الشيء الأمريكي – أي شيء أمريكي – ليس هو ذات الشيء الذي في مخيلة العرب وأنظار كل دول العالم الثالث.. ومع ذلك نحسن الظن تجاه الأشياء الأمريكية، وتكون نتائج حسن الظن هذا مخيبة للآمال ومخالفة لما في الأذهان.. ويوما ما سوف تكتشف دول العالم الثالث – والأخير – أن موقع ويكيليكس هذا لم يكن إلا أداة من أدوات النظام العالمي الجديد، ومنوط به أداء (مهمة محددة).. وكالعهد بها دائماً اكتشاف الأشياء بعد خراب مالطا، ستكتشف عبقرية العالم الثالث حقيقة ويكيليكس بعد أن يؤدي مهمته بامتياز!!
:: ولكى لا ننسى، فالحزمة السابقة من وثائق ويكيليكس قبل أربع سنوات كانت تقرأ على النحو الآتي: أنظمة عربية تحرض أمريكا على ضرب إيران، ثم أنظمة عربية تتوجس لأمريكا من مخاطر المد الشيعي.. هكذا جاء ملخص وثائق ويكيليس ذات الصلة بمنطقة الخليج في العام 2011.. وكل الوثائق إما عليها أختام السفارات الأمريكية بتلك الدول العربية أو تصريحات سفراء أمريكا بالخليج، بمعنى كلها وثائق صادرة من (البيت الأمريكي).. ومع ذلك، كان الموقع يخدع الغافلين بأنها وثائق سربتها مصادره بدون علم الأجهزة الأمريكية.. ونحن – كعالم ثالث وكده – كنا نصدق دون النظر في محتوى الوثائق الذي أثار في منطقة الخليج (الفتنة الطائفية)!!
:: واليوم، في توقيت مناسب جداً، أي بعد تحسن العلاقات السودانية السعودية بعد سنوات من (الخلافات المكتومة)، يخرج موقع ويكيليكس للبلدين بوثائق سنوات الخلافات، وهي وثائق صحيحة طبعاً، ولكن فيها من المحتوى ما يُعكر صفو العلاقات الحالية بين البلدين، وكأن هذا التعكير هو المطلوب.. أي آثار هذه الوثائق على الرأي العام السوداني – ومدى قدرتها على تشكيل الرأي العام السوداني ضد السعودية – هي الحقيقة المخبوءة في كل هذا الحدث الذي (لم يحدث عفواً)!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *