منى عبدالفتاح : قلمُ «ذكرى» وحذاؤها

مثلما انتهى المؤتمر الصحفي للرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عام 2008 بضربة حذاء دون وضع حدّ للآثار المدمرة لحرب وتمزيق العراق، ها هو المؤتمر الصحفي خاتمة المباحثات اليمنية في جنيف ينتهي أيضا بضربة حذاء دون الوصول إلى اتفاق.
تعنت الحوثيون في الذهاب إلى جنيف، ثم تم إقناعهم في اللحظات الأخيرة باعتلاء الطائرة المتجهة إلى هناك قبل أقل من ساعات من بدء اللقاء الذي تأجل مرارا وتكرارا.
وبالرغم من كل ما بُذل من إقناع، لم تُسفر المباحثات عن اتفاق، وذلك ما يترجمه إسماعيل ولد الشيخ أحمد مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن بأنّها جولة أولية، مما يعني أنّه ستعقبها جولات وصولات، بينما يستمر الحال في اليمن على ما هو عليه.
في هذا المشهد الذي تعلق به المتابعون والمراقبون لنتيجة المباحثات، لم يكن من شيء واضح في الأفق غير حذاء ذكرى العراسي الصحفية والناشطة اليمنية التي فقدت بعض أفراد أسرتها في هجوم الحوثيين على عدن يتطاير على قائد وفد الحوثيين حمزة الحوثي.
وقد كان تركيز الكاميرات وانتباه المشاهدين سواء على القنوات التي نقلت المشهد أو على مواقع التواصل الاجتماعي على حذاء السيدة أكثر من الكلمات القليلة التي كان يقولها الحوثي من تحت لسانه وكأنّه يستحي على قولها.
كان هذا هو سلاح الصحفية الآني الذي استبدلت به القلم، ورضيت أن تقابل به حديث الحوثي.
اختارت صفعة حذاء بدلا من أن تكتب عنه وتكشف للعالم أكاذيبه وضلال مسعاه.
وبغض النظر عن عدم لباقة الفعل التي تقابل ضجر السماع لحديث شخص انعدمت شرعيته لممارسته العنف والقتل ضد أهله، يبدو أنّنا أمة لا تتفاهم بغير الأحذية، ولا نُحسن إلّا لغتها.
انتهى اللقاء ولم يبق من نتائج المحادثات التي قطع إليها المتباحثون الفيافي إلّا تقرير الحذاء والفشل الذريع.
أيّ حذاء هذا الذي يمكنه الانتقام من جرائم الحوثيين، وتفجيرهم لبيوت المواطنين الآمنين ودور العبادة وتدمير محافظات تعز وعدن والضالع ولحج ومأرب، وغيرها من المحافظات اليمنية.
وأيّ حذاء يمكنه أن يزيل آلام قلوب الأمهات الثكالى، والجرائم التي يرتكبها الحوثيون في حقهنّ وحق الأطفال والمدنيين والأبرياء تتواصل دون أن يرف لهم جفن.
لو ضمّت ذكرى العراسي صوتها لصوت المنظمات الإنسانية اليمنية واستنفرت غيرها لكانت النتيجة هي توقيف وفد ميليشيات الحوثي والرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في جنيف، ليذاع الخبر اليقين وهو تقديمهم للمحاكمة بسبب تورطهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ولو تم ذلك لكان بالإمكان حمل ذكرى بطلة على الأعناق تُتوج بدلا عن حذائها الذي تم تثمينه بعد حذاء منتظر الزيدي الذي توجّه العراقيون بطلا ووضعوا نصبا تذكاريا عملاقا تكريما له ومكتوب على قاعدته بيتي الشاعر اللبناني رشيد الخوري الملقب بـ(الشاعر القروي): «صياما إلى أن يفطر السيف بالدم وصمتا إلى أن يصدح الحق يا فمي».
وكان بمقدور ذكرى أن تكمّل شطري القصيدة «أَفِطرٌ وأحرار الحمى في مجاعـة؟ وعيدٌ وأبطال الجهــاد بمأتـم؟» لأنّ اليمن يحتاج إلى قلم ذكرى لتكتب للعالم أنّ 21 مليون شخص هناك بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وأنّ ستة ملايين يمني يواجهون مخاطر الجوع، وليس لحذائها الذي تم عرضه بمليون ريال.
لا تُعتبر الصورة الباهتة لحذاء ذكرى العراسي انتصارا بأي شكلٍ من الأشكال، خاصة وأنّ من يتداولون الخبر يتركون أخبارا حقيقية ونصرا مؤزرا فعليا يحققه الجنود السعوديون وجنود قوات التحالف على الأرض، ومن جبهات القتال ليتعلقوا بمشهد حذاء لم يستمر عرضه سوى بضعة ثوان.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *