مَنْ يغذى تطلعات تقرير المصير فى دارفور؟

لا جدال فى أنّ توفر المعلومة يٌلْهم المرء فى ادراك الصورة الكلية للاشياء وطبيعتها دون تعقيد وبالتالى لا يواجه كبير العناء فى تفسيرها او اصدار الحكم حولها وهذا يقودنا الى موضوع تقرير مصير دارفور الذى اصبح جزء من حديثالناس وبنطاق واسع شمل فى الاونة الاخيرة طيف كبير من الدوائر. تحدث السياسيون واصحاب القلم والقرار بدرجات متفاوتة عن ما يثار اليوم حول موضوع تقرير مصير دارفور . ذكر المحامى والكاتب البارز كمال الجزولى فى رزنامته الشهيرة فى صحيفة حريات بتاريخ 11-يونيو 2015 بأنه نقر ناقوس الخطر فى 26 مايو 2007 حينما طالبت مجموعة عسكرية وسياسية دارفورية فى لقاء باروشا بمنح الاقليم حق تقرير المصير، وقال ( فإذا ما وقع ذلك، فإنّ خطورته فى دارفور تفوق خطورته فى الجنوب، حيث أنّ دارفور خبرت اصلاً شكل الكيان السياسى والادارى المستقل| المنفصل).

ووقد ربط الاستاذ كمال الجزولى افادته هذه بتصريح لمنى اركو مناوى رئيس حركة تحرير السودان عن موقف النظام تجاه دارفور واهله والذى قال فيه مناوى( أنّ النظام يدفع باهل دارفور نحو الانفصال). واضاف (أنّ هناك اسباب موضوعية لدى ابناء دارفور للمطالبة بهذا الحق).كان رد النظام على تصريح مناوى فيه شئ من اللا مبالاة حيث جاء على لسان د. أمين حسن عمر الرجل الذى بيده ملف دارفور بأنّ تصريح السيد مناوى صادر بغرض الاثارة ،وأنه تصريح لا قيمة له- هكذا اختصر د. أمين رأي الدولة بطريقة مخلّة فى أمر جلل ومؤجج فى جسد السودان وكأنه هزلٌ او من سفاسف الامور .

أما عميد الصحافة السودانية الاستاذ محجوب محمد صالح تناول تصريح مناوى فى مقال فيه كثير من التحليل المنطقى وقد قال فى جزء من تحليله ( مجرد طرح هذا الشعار تحت ظروف السودان الحالية وبعد تجربة إنفصال جنوب السودان أمر لا بدّ ان يثير قلق أى مواطن يقرأ الواقع السودانى قراءة راشدة) وقد عدد الاستاذ محجوب الظروف المواتية لمثل هذا التصريح هو عدم الانصاف فى المشاركة الفعالة فى السلطة والتنمية فضلا عن الظروف الكارثية من النزوح واللجو واستهداف طلاب دارفور بالعاصمة القومية والصراعات الدموية. وفى الاطار نفسه تناول كتّاب اخرون تصريحات مناوى، اذكر منهم على سبيل المثال عادل ابراهيم احمد فى جريدة العرب وابراهيم سليمان احد ابناء دارقور يقيم فى بريطانيا والصحفى حسن اسماعيل فى صحيفة الصيحة، ما عدا الاستاذين محجوب محمد صالح وكمال الجزولى الذيّن تناولا الموضوع من زاوية أنّ هناك واقعا افرزته سياسات المركز ولا بدّ التعامل معه بقدر من المسؤولية ، فإنّ بقية الكتاب بما فيهم د. امين تناولوا الموضوع من زاوية أخرى نقيضة تماما لزاوية التى تحدث عنها كلا الاستاذيّن، وكان موقف أولئك النفر هجوميا اكثر من تناول الواقع المرير الذى اجبر بعض الناس على تلك التصريحات، فقد تَنَكّبَ كل واحد منهم رمحه واستل سيفه ليشن هجوما لا هوادة فيه على ما وردت من تصريحات رئيس حركة تحرير السودان بشأن تقرير مصير دارفور ولكن كان الهجوم بدرجات متفاوتة ما بين مستفزٍ ومغضبٍ ومهيجٍ.

فى تقديرى نحن فى هذه المرحلة نحتاج الى معرفة الظروف التى دفعت بجزء من اهل السودان يعلنون موقفاً سياسيا يتعلق بمصير وحدة البلاد اكثر من ان نندفع الى مربع هجومٍ او دفاعٍ لنقف مع المناصرين لتقرير المصير او مناوئين له.

مع اعتبار المواقف المتباينة تجاه حق تقرير مصير دارفور او أى اقليم اخر يتطلب فى الواقع السودانى الحالى أن يحتكم الناس الى ما هو متوفر من جملة حقائق وثوابت تاريخية واجتماعية وسياسية واضحة كالشمس فى كبد السماء ولا يختلف حولها اثنان، وهى المعلومات لتى قصدتها فى مستهل هذا المقال ويمكن بكل يسر ان نعتمد عليها فى اصدار احكامنا حول هذا الامر العظيم.

للاستقراء مكانته الخاصة فى مثل هذا الظرف، رغم أن الشعوب ليست نسخة متطابقة فى مشاكلها إلا أن التجربة تظل اساساً للتطور البشرى لما فيها من تراكم معرفى يمنحنا معالماّ فى السير الى الامام، وحالة السودان ليست استثاء فى فك الارتباط بين الاقاليم المختلفة، التجربة الانسانية ثرة فى هذا المجال بل السودان نفسه جزء من هذه التجربة وقد عرفت هذه الجغرافيا المسماه بالسودان فى التاريخ الوسيط والحديث مجموعة من ممالك او دويلات اتحدت فى ظروف خاصة وانشطرت فى فترات اخرى وأحدثها كانت دولة جنوب السودان الراهنة ولكن ما يهمنا هنا هو الاسباب التى تدفع بالمجتمعات البشرية الى التوحد او الانفصال وعلى ضوءها نقيس الراهن السودانى.

لا احد ينكر أنّ المجتمع السودانى يعانى من التمزق والتفرق فى الولاءات وهذه الظاهرة سمة المجتمعات القبلية وخاصة فى افريقيا وهى ظاهرة لا يمكن ان تكون هى السبب الكافى لانفصال الاقاليم عن دولة الام وإلا كانت شبه القارة الهندية اصبحت دويلات تفوق عدد الاقطار فى افريقيا ولكن فى السودان عامل السياسة فى الدولة المركزية يلعب دوراً حاسماً فى تبنى مجموعة ما من الشعب موقفاً سياسياً وحدةً ام كان انفصالاّ ويكاد يكون السودان الدولة التى بلا منازع تضافرت فيها اسباب التفرق والانفصال، او لنقل انها اكثر دولة مهيأة للتمزق الى دويلات بسبب التباين الصارخ فى الثقافات والاثنيات وهذا كما اشرنا اليه لا يبرر حتمية التمزق ما دامت هناك فرص سياسية لاحتواء هذه الازمات.

بغض النظر عما نمتلك من ارث وكنز تاريخى تليد يحكى عن أوقات فيها عاشت شعوب السودان متحدة فى ممالكهم كما نقرأه يومياً فى صفحات الممالك التى تواجدت على الرقعة الجفرافية الحالية للسودان فى سلطنة دارفور او السطلنة الزرقاء او حتى الدولة المهدية فكل هذه الممالك عاشت ظروفاً كل منها تختلف عن الاخرى اى قيامها او اضمحلالها يجب أن يفسر على حسب الظرف فى وقتئذٍ.

وبالقدر ذاته، تعيش السودان اليوم ظرفاً استثنائيا قلّما تجد من يشذ فى تفسيرها بأنها اكثر حقبة ألمّت بالشعب السودانى مآسى وويلات جراء سياسات المركز بدءاً بالحروب الجهوية الطاحنة الى درجة الابادة وتشطير القطر الى دويلات وانتهاءأً بممارسة الفساد والتميز العنصرى علنا، بل وإدراجها فى العمل اليومى فى المؤسسات العامة ودونكم احصائيات الكتاب الاسود.

إذاً لا بد لمثل هذا الوضع افرازات قد تصل الى تمزيق وحدة البلاد وحدث فعلا لجنوب السودان وكان من المفترض ان يكون انفصال الجنوب درساً يستوعبه مَنْ بيدهم قرار الدولة فى المركز لأنّ الذى يحدث فى السودان يُقرأ من زاويتين الاولى الصراع السياسى الحزبى الذى يدور حول الازمات الطبقية والفكرية والاقتصادية وهو اقرب الى انتفاضة او ثورة ترمى الى تغير الاوضاع فى اطار دولة واحدة موحدة اما الثانية، الصراع عندما يأخذ طابعاً جهويا واثنيا وثقافياً كالذى يحدث الان باسم الهامش فى السودان يكون اقرب الى نقلة نوعية تحدد العلائق البنيوية لكيان الدولة وتدفع نحو التحرر او الانقسام او الاندماج.

والملاحظ ان درجة التفاعل الساخن الذى جربته مكونات الشعب السودانى على مدى ستة عقود من الحروب والتهميش والاضهاد دفع الى تنامى تطلعات انفصالية وتحررية وللأسف لكى يُكبح جماح مثل هذا التوجه لم تبذل الدولة السودانية مجهوداً معتبراً لتبنى استراتجية احتواء الازمات كالذى يحدث فى اقطار شبيهة بالسودان من تكامل ثقافى او استقلال ذاتى او فيدرالية قائمة على دستور متفق عليه دون اقصاء الاخر والذى حدث كان مجرد استراتجية ادماج او استيعاب والسيطرة عبر فوهة البندقية ولذا وقعت الابادة الجماعية والانفصال القسرى، يعنى بصيغة اخرى، حاول الشعب السودانى مرارًا وتكراراً أن يتخذ العنف وسيلة للتعارف ولكن الحصيلة كانت كلما ارتفع حجم الضحايا كلما تباعدت الشقة فلذا وجد جزء من الشعب الانفصال مخرجا لهم .

الكارثة بهذا المستوى لا يتوقع احدٌ نتيجةً اكثر مما نحن فيه وإنّ الاصوات التى علت من قبل وتعلو الآن عن مصير دارفور لم تأت من الفراغ وأى محاولة لتوجيه اللوم للذين يتحدثون عن مطالبة بوضعية جديدة لدارفور لا يفيد، ما لم يكون هناك مسعىً حقيقياً من الحكومة والمعارضة بل ومن الشعب السودانى بأكمله لإيجاد مخرجا قبل انهيار ما هو الكائن اليسير من وحدة البلاد على رؤوسنا .

هناك واقع مرير فى السودان لا يمكن حصرياّ نرمى بلائمة على نظام المؤتمر الوطنى البغيض وحده وقد مارسته الانظمة التى سبقت المؤتمر الوطنى بلا استثاء وايضا للشعب السودانى قسطا من المساهمة فى نمو شعور التفرقة وغياب المساواة وهو واقع ارى فيه كوامن التفرق وانقسام الولاءات عند الشعب السودانى وهذا بالضبط ما سمعته من راديو مونت كارلو على لسان منى مناوى الذى قال ( اننا شعوب متفرقة اجتماعيا تجمعنا ارض واحدة) واستدّل ذالك فى رده لأحد المتداخلين من كوستى فقال له( انت الان فى كوستى تشرب القهوة مع اهلك ولكننى لا يمكننى ان اجد اهلى ومكاناً فى دارفور لكى اشرب معهم القهوة).

الحديث الذى ادلى به منى مناوي هو ملخص الازمة فى السودان حتى لو غادر المؤتمر الوطنى السلطة وإن لم نعالج ما يفرقنا بأسس واضحة ان فكرة وحدة السودان وشعبه فى محك تأريخي السودان الان بصدق وحق تتقاذفه ولاءات كالكرة فى ملعب فيه الوان شتى متنافرة، البعض يجدون ان الطفل الفلسطينى يجب أن يغاث من حر أموال الشعب السودانى ويصرون على تحريم الطفل فى دارفور من التعليم والصحة بل يرون من الافضل وأده ببارود الانتونوف قبل ان يشب ويصبح ذو شكيمة ويرون ان تُسَيّر جيوش من اجل إمرأة فلسطينية اهانها جندى اسرائلى و فى ذات الوقت يأمرون الجندى السودانى لارتكاب جريمة اغتصاب جماعى فى حق نساء دارفور من اجل الاذلال والقهر،وهى سياسات تجعل المناخ جائزاً للمطالبة بتقرير المصير كجواز اكل الميتة ولحم الخنزير. إذاً هناك جزء من الشعب من يقول بصوت عالى ما الذى يمنع الانسان ان يقول انا لست جزءاً منكم، المرء لن يكون غبياً الى درجة الالتصاق بجذوة جمرة حتى يحترق كليا او يعيش بين الوحوش حتى يفارق حياته، عليه ان يتخذ قراره اما أن تطفأ هذه الجمرة وتدجن هذه الوحوش وإن استعصت ذلك، يجب تركها غير مأسوف عليها وهذا هو وضع دارفور الان. ويبقى السؤال هل اهل السودان على قدر التحدى لحفاظ على وحدة بلادهم ام على ابواب ميلاد دولة ثالثة ورابعة اسوة بجنوب السودان؟

سودان تريبون

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *