منى سلمان : سعدية النكدية

اغلقت ماجدة باب الشارع بعد وداع جارتها وصديقتها الحميمة سعدية، وعادت لداخل البيت وهي تشعر بالوهن وموتان الحيل وشيء من الطمة والدوشة .. جلست على الكرسي بالقرب من التلفزيون وهي ساهمة النظرات، تبحلق في الشاشة دون تركيز حتى اخرجها صوت زوجها من حالتها، والذي كان يتابع حركاتها من على البعد:
أها .. مالك مضهلمة كدي .. سعدية ملتك فقر بي النكد والمشاكل وفاتت .. مش ؟؟
دافعت ماجدة عن صديقتها بحرارة:
مسكينة ياخ الظروف كلها معاكساها .. يعني لو ما جات شكت لي أنا حا تشكي لي منو ؟ مش أنا صحبتا الوحيدة البترتاح ليها وتفضفض معاها ؟
احتج عادل: دي فضفضة ولا تنفيض شرا ؟ ما ملاحظة انو سعدية دي عندها تأثير سيء عليك ؟ تكوني في امانة الله تقوم تجيك تشكي وتبكي وتتنفض وتمشي خفييييفة .. وتخليك بي وراها حالك يغني عن سؤالك !
نفت ماجدة بشدة: لالا ياخ ما تظلما .. هي بي طبعها نكدية شوية لكن والله تسوي شنو كان حظها معاكس ؟!!
للحقيقة، كانت ماجدة مدركة في اعماقها لسوداوية طبع صديقتها، بل كثيرا ما كانت تحاول لفت نظر سعدية لعدم متابعة القنوط والتشاؤم الذي تعالج به وقائع حياتها، وتهويلها للمشاكل البسيطة التي لا ترقى احيانا لتكون موضوع .. كانت تغلف نصيحتها لسعدية بالهزار فتقول لها ضاحكة كلما بالغت في الشكوى من عكاس الدنيا:
يختي انتي محبّكاها حبتين .. فكّيها شوية الحكاية ما بستاهل ..
منذ ايام الدراسة كانت سعدية في حالة شكوى دائمة من استقصاد المدرسات وحقرة الالفات وصعوبة الامتحانات وحتى من عدم ضربان البخرات .. أما في البيت فمشاكل توزيع الواجبات لا تنتهي، وشكواها الدائمة من نوم أخواتها الخملاوات على ظهرها ومبالاتها بالخدمة .. ثم ساء الوضع بعد زواجها من قريبها وحيد امه، وانتقالها للسكن مع اسرته في نفس الحي الذي تقيم فيه ماجدة، ومنذ ذلك اليوم لم تحظى صديقتها المسكينة براحة البال لـ برمجة سعدية بها واتخاذها متنفسا للغباين ..
في كل عصرية حكم على ماجدة بالجلوس لسماع مواويل الهموم، التي تلقيها على مسامعها سعدية عن سيطرة النسيبة وعقربة الحموات وتقصير الزوج في الواجبات، ثم تقوم لبيتها خالية مرتاحة وتترك خلفها صديقتها وقد بدت لها الدنيا (أصغر من خرم الابرة) ..
أما عادل فقد كان يتضجر دائما من التأثير السيء لمشاكل سعدية غير المنتهية على نفسيات زوجته، وذلك لقناعته بأنها تعاني من خلل نفسي يفرض عليها التشاؤم والنظرة السوداوية والتي يعتبرها من الاضطرابات المعدية، وهذا لقناعته بأن الشخص المكتئب ينقل حزنه وافكاره السلبية الى اصدقائه واهله وجلسائه، وحتى لو لم يتشارك تلك الافكار مع من يجالسهم، فإنها تظهر على وجهه وسلوكه، فتنتقل حالته النفسية لمن حوله كأنتقال العدوى ..
وللحقيقة فان نظرية عادل تتوافق مع رؤية علماء النفس، التي تقول بأن الابتسامة البسيطة في وجه الاخرين تشعرهم بالسعادة والانشراح، كما ستؤثر عليهم تعبيرات الوجه المكتئب الحزين، والافكار والاحاديث السلبية، وكلنا نعلم ان الانسان كائن اجتماعي ووجداني يتأثر بما يراه ويسمعه ممن حوله ..
تقول الحكمة من جاور السعيد يسعد، لذلك ينصح الشخص المكتئب بالخروج والألتقاء بالاخرين ومجالسة السعداء، لانه اذا فعل ذلك فإن افكاره الحزينة ستتبدل بافكار سعيدة يكتسبها منهم حينما ينتقل اليه احساسهم بالسعادة فينسى حزنه واكتئابه .. المشكلة يا جماعة يقوم (يهد) فيهم على طريقة رمتني بداءها وانسلت ..
حسنا وبما ان ذلك كذلك، فالحذر من المكتئبين واجب وطني في ظل الضيق ونشاف الريق الذي نكابده .. لا اقول ان نقطع صلتنا بهم، لكن دعونا لا نسمح لافكارهم الحزينة بالدوخل الى عقولنا، فمجرد الجلوس مع شخص مكتئب دون فعل شيء سيصيبكم بالحزن، لذلك من الافضل ان نسعى لنعديهم بالفرح والسعادة والتفاؤل من ان تركهم لـ (يملونا فقر) ..
مخرج
ردة الفعل الطبيعية لرؤية شخص يبتسم لك هي مبادلته الابتسامة .. تنتقل الابتسامة من وجهه الى وجهك بصورة تلقائية .. ولو علمنا قوة تاثير الابتسامة على حالة أحبتنا ومزاجهم لتبسمنا طول الوقت .. من اجل هذا حدثنا نبينا الكريم بأن تبسمك في وجه اخيك صدقة .. تعالوا نتصدق بالبسمات .. صعبة دي يا سعدية ؟!!ا

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *