الطيب مصطفى : بين وزيرة التعليم العالي وكليات الطب

في الوقت الذي يعلن فيه أمين نقابة المهن الصحية أن نسبة الأطباء في السودان مقارنة بالكوادر الطبية المساعدة مثل الممرضين تبلغ ستة إلى واحد بينما يحدث العكس تماما في بلاد العالم الأخرى أي أن الطبيب الواحد يقابله ستة كوادر طبية مساعدة، تخرج علينا وزيرة التعليم العالي د. سمية أبوكشوة بتصريح تعلن فيه عن اعتزامها زيادة مقاعد الطب في كليات الطب السودانية! .
كتبت قبل أيام عن هذا الأمر متسائلا عما كان سيكون عليه الحال لوﻻ أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج بل وأوروبا قد فتحت أبوابها ﻻستقبال وتوظيف آلاف الأطباء السودانيين، بمن فيهم حديثو التخرج ممن يحملون البكالوريوس وﻻ شيء غيره؟
لقد تزايد عدد طلاب الطب بسبب انتهاز القطاع الخاص للرغبة العارمة للسودانيين في إلحاق أبنائهم بكليات الطب وانكبابه على تلبية هذه الرغبة بإنشاء عدد كبير من الكليات هذا فضلا عن إنشاء كليات طب في معظم الجامعات المنشأة في الوﻻيات، وﻻ أشك في أن غياب المنهج العلمي في التعاطي مع التعليم العالي من حيث الحاجة الفعلية أو عدم مراعاة مبدأ اتساق الكم مع الكيف خاصة في إنشاء الكليات العلمية كالطب والهندسة وغيرهما هو الذي أدى إلى هذا الواقع الذي أذرى بالمهنة وجعل خريجيها يهيمون على وجوههم بحثاً عن العمل رغم أنها تضم العباقرة والمتميزين منذ مراحل دراستهم الأولى.
العجيب أن تصريح الوزيرة جاء خلال احتفال بتوزيع 15 ألف مرجع علمي أهداها جهاز الأمن والمخابرات الوطني لعدد من كليات الطب الفقيرة في الوﻻيات مثل كليات طب زالنجي ونياﻻ والدلنج وغيرها، وكان المفترض أن تتوافر هذه المراجع في تلك الجامعات منذ سنوات لكن الوزارة الفقيرة مثل كلياتها ﻻ تملك ما توفره للتعليم العالي وللجامعات جراء موازنتها الضعيفة مثل جامعاتها، وشكرا لجهاز الأمن الذي يقوم بكثير من أعباء فرض الكفاية بما في ذلك التبرع لأندية كرة القدم .
يا لهوان مهنة الطب في السودان فقد كان الطبيب في أدبنا الشعبي له مكانة واحترام لكنه أصبح مهينا بعد أن أصبح مرتبه أقل من ألف جنيه، الأمر الذي جعله أدنى من أجر الشغالة التي ﻻ تصرف من مرتبها شيئا ومع هذا الأجر المتدني ينتظر الطبيب دوره حتى يجد هذه الوظيفة الوضيعة التي ﻻ تسد الرمق بعد سنوات يقضيها في الخدمة الوطنية والإمتياز.
رغم ذلك تبشرنا الوزيرة بزيادة عدد مقاعد الطب في الجامعات، هكذا على طريقة خبط العشواء بلا تخطيط أو دراسة لحال المهنة ومدى الحاجة أو توافر الظروف والإمكانات (والمراجع) !
لك الله با طبيب بلادي.. هل يا ترى هذا هو السبب الذي جعل أولى وثانية الشهادة السودانية هذا العام تهربان إلى الدراسات النظرية بعيدا عن مهنة سادت ثم بادت؟!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *