سهير عبد الرحيم : 30 سنة مأساة

في منطقة الحلة الجديدة بالخرطوم وغير بعيد من الشارع الإسفلتي الذي يمر بمنتصف الحي، هناك وبعيدا عن أعين الناس تقبع مأساة عمرها ثلاثون عاما .
في ذلك الحي منزل بسيط به غرفة وراكوبة تكادان تنهاران على ساكنيهما، الأب والأم توفاهما الله ورحلا إلى الدار الآخرة تاركين خلفهما ستة من الأبناء، ثلاثة ذكور وثلاث إناث.

ثلاثة من هؤلاء الأبناء مصابون بتشوهات عقلية وجسدية، الكبير ويبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاما مصاب بشلل نصفي وتخلف عقلي .
شقيقه الأصغر غير مشلول ولكنه مصاب بتخلف عقلي، وحالة هيجان شديدة تنتابه على مدار اليوم.
وشقيقتهما الأخرى وهي في نهاية العشرينيات من عمرها مصابة أيضا بتخلف عقلي .
أما الثلاثة الأصحاء: البنت الكبرى متزوجة ولها أسرتها وتظل في حالة غدو ورواح ما بين منزل زوجها البعيد ومنزل إخوتها .
وشقيقها الأصغر يخرج مع بزوغ الفجر إلى سوق الله أكبر بحثا عن ما يسد به رمق الثلاثة المعاقين.
أما شقيقتهم الصغرى فقد تركت الجامعة رغم تفوقها ونذرت حياتها لرعاية إخوانها المعاقين.
عند زيارتي لهم في منزلهم شعرت برائحة الحمامات النفاثة في كل مكان بالمنزل، ذلك أن المعاقين الثلاثة لا يتحكمون في عمليتي البول والإخراج، ومع ضعف الموارد وضيق ذات اليد يصبح من الاستحالة على شقيقهم (مصدر الدخل الأوحد) أن يستطيع توفير (حفاظات) لهم،
فهو بالكاد يستطيع تدبر أجرة المنزل والأكل والشرب .
وفي داخل الغرفة التي يقطنون فيها تجد أن المياه تغطي الأرضية تماما، ذلك ان شقيقتهم تظل طيلة اليوم وهي تحاول الحفاظ على نظافتهم ونظافة المكان وهو ما يبدو أنه مستحيل.
فهي تقوم بغسلهم ونظافتهم داخل الغرفة نفسها ذلك أنها لا تملك مقاعد للمعاقين حتى تحملهم بها إلى الحمام، رغم أن ذلك في حد ذاته فيه الكثير من العنت والمشقة .
وفي غرفتهم جلست بالقرب منهم وحاولت الحديث إليهم فلم أفهم أي شيء من حديثهم غير ضحكهم وابتسامتهم التي لم تفارق وجوههم، كانوا ثلاثتهم يضحكون ويبتسمون رغم تأوه شقيقتهم .
لاحظت أن الكبير مطلق لحيته وقد جمع عددا من أوراق الصحف تحت وسادته وحمل مرآة ينظر إلى وجهه فيها، لحافه الذي ينام عليه عبارة عن مرتبة إسفنجية أعياها كثرة الاتساخ والغسل، ملابسه مبتلة وحالته وحال الغرفة تخبرك أننا في عصر تنام فيه الصدقات وأهل الخير والجيران يمتنعون.
شقيقته المعاقة كانت تطلق ضفيرتين ناعمتين على جانبي وجهها، وقد بدا واضحا أن شقيقتها الكبرى تعيد تمشيط شعرها بانتظام.
أما شقيقهم الثالث فقد قرر النوم بعد حالة هياج شديد انتابته .

خارج السور

هذا المقال دعوة لأهل الخير والإحسان أن يعمل كل منهم ما بوسعه لهذه العائلة وأن يجمعوا حسنات التصدق في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم.
إنهم يحتاجون مأوى لا يدفعون إيجاره ولو كان غرفة ويحتاجون مقعدين متحركين وحفاظات ومواد تموينية ومصدر عمل ثابت لشقيقهم المكافح
ولنتذكر قول الله تعالى:
(آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) الحديد / 7
وقول الرسول الكريم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلوَّه حتى تكون مثل الجبل”.
سهير عبد الرحيم

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *